فأنت ترى ما ذكروه من هذه الفروق السته وما قدح به فيها. والنكتة التي يحوم عليها الجميع اعتبار الضرر بالعيب وحصوله، والنظر في مقداره فيما يخف ويكثر.
وقد ذهب بعض الأندلسيين إلى أنها ترد بالعيب اليسير كما ترد سائر السلع. ورأى أن لا فرق بين الديار والعروض في التمكين من ردها بالعيب اليسير. وهذا هو مقتضى القياس والظواهر. وإنما سلك الآخرون ذلك لما أشرنا إليه من اختلاف أحوال المبيعات في حكم الضرر بالعيب ومقداره.
وإذا تقرر أنها لا ترد بالعيب اليسير، فما مقدار هذا اليسير؟ قال بعض الأشياخ هو ما كان لا يأتي على معظم الثمن. فإذا أتى على معظم الثمن، كان ذلك عيبا كثيرا يوجب الرد. وقال بعضم: اليسير فيه ما نقص عن الثلث. وأشار بعضهم إلى اعتبار كون العيب شاملا لسائر الدار من جهة التأثير والقصد كبطلان بئرها بطلانا لا ينصلح، أو ما جلها، أو سقوفها أو قناتها. ورأى أن ما كان كذلك يوجب الرد لأنه كعيب استولى على الكل.
والجواب عن السؤال الرابع أن يقال: أما ما لا يمكن الإطلاع على باطنه إلا بعد نقض هيئته، كخشب اشتريت فنشرت، فوجد باطنها عفنا أو مسوسا. أو جوزا وقثاء وشبه ذلك، فكسر فوجد باطنها فاسدا. أو جلودا لم يظهر ما فيها
إلا بعد دبغ أو قطع، فإن عن مالك في تمكين المشتري من الرد بهذا العيب روايتان. وكذلك للشافعي في ذلك قولان. وبإثبات الرد قال أبو حنيفة.
والمشهور عن مالك وأصحابه ألا رد بهذا العيب. لكن حكى القرويون عنه روايتين. وكذلك قال الأبهري: إن المدنيين من أصحاب مالك رووا عنه إثبات الرد بهذا العيب، منهم المغيرة وغيره. وذكر ابن حبيب أن هذا إنما يمنع به الرد إذا كان عيبا في أصل الخلقة. وأما إذا كان حدث بعد الصحة وسلامة الخلقة، كعفن وشبهه حدث بعد الصحة لسبب اقتضاه، فإنه يجب به الرد. وحمل بعض الأشياخ هذا على أنه قول ثالث في المذهب. وما أراه كذلك لأن ابن حبيب أشار إلى أن هذا الذي حدث مما يعلمه قوم ويجهله آخرون، والكلام في هذه المسألة إنما صورناه فيما يستوي المتبايعان في الجهل به ولا يمكن أحد معرفته، لا سيما وهذا الحادث بعد الصحة ربما كان عن سبب يعلمه البائع، مثل وضعه الخشب في مكان يظن من جهة العادة أنه يفسدها.
فإذا تحققت الخلاف في هذا فسببه أن من نفى الرد بهذا، قال: لم يزل الأمر جاريا في سائر الأمصار على مرور الأعصار ببيع الديار مع كون باطن بنيانها مستورا عن عين الناظر لها. وقد يكون بحجر مكسور أو صحيح ولا ينكر هذا منكر. فاقتضى هذا وقوع العقد على ظواهر الأمور دون بواطنها. وهذا الاعتلال قد يجاب عنه بأن هذا غرر غير مقصود، ولا يقدر على رفعه. ولو اطلع على أن البناء الباطن بخلاف ما جرت به العادة مما يعلم أنه لا يدخل عليه المشتري لكان له بذلك مقال. وقد ذكر ابن المواز عن مالك إشارة إلى قريب من هذا المعنى. فذكر عنه أنه قال: هذا الأمر ثابت، عليه يدخل البائع والمشتري، والتبايع على ذلك وقع. وهذه منه إشارة إلى أن هذا العقد وقع بالبراءة من هذا العيب الباطن، وسومح فيه بالبراءة للضرورة إلى ذلك، وكونه غررا غير مقصود.
وأما من أثبت الرد، فإنه يقول: مطلق العقد يقتضي سلامة المبيع من
العيب، وإن لم يشترط السلامة. فإذا لم يوجد الخشب أو الجوز سالما، فقد وجب له أن يرد. فيكون الإطلاع عليه حال العقد لا يرفع حق المشتري فيما ثبت له مما دخل عليه من سلامة المبيع، كما لو اشترط سلامته. وقد ورد الشرع بالرد بعيب التصرية مع كون المشتري لا يعلم التصرية حال العقد. ويجاب عن هذا بأن التصرية علمها البائع ودلس بها، ويمكن أن يعلمها غيره حين العقد.
فلم يكن كمبيع لا يمكن أن يعلم عيبه حال العقد أحد المتبايعين.
وقد وقع في الموازية لأشهب وغيره: أن ما يمكن اختباره والاطلاع على عيبه حال العقد، كالجوزة والجوزتين وقثاءة واحدة أو قثاءتين، فإن هذا يرد به إذا وجد باطنه رديا. وهذا وإن أطلق مالك الجواب في كون القثاء لا ترد إذا وجدت مرة، فطرد ما قدمناه من التعليل يقتضي إذا أمكن العلم بباطن القثاءة الواحدة والعدد اليسير من القثاء قبل أن يقطع، مثل أن يذاق باطنه بشيء يدخل فيه، وتختبر الجوزة والجوزتان إختبارا يعرف به حالهما قبل الكسر. وأما الأحمال من القثاء وما لا يمكن اختبار جميعه، ففي الموازية أيضا أنه لا يرد به إلا أن يكون كله مرا أو أكثره. فإن العمل إذا كان كله مرا لا يكاد يخفى ذلك على بائعه.