وأما ارتفاع الدم، والجارية في سن من تحيض، فإن ابن حبيب ذكر أن الإستحاضة إذا كانت تعرض للأمة بعد مدة، فإن على البائع أن يبين ذلك. فإن لم يبينه، كان للمشتري أن يرد. وأما ارتفاع الدم مرة بعد مرة فلا على البائع بيانه.
واعتذر بعض المتأخرين عقا ذكره، في المدونة مما ظاهره اختلاف الجواب في تأخيره شهرين بأن قال في أحد اللفظين: تأخير الحيض في استبرائها، والمراد به تأخره بعد انقضاء مدة الإستبراء. وقال في اللفظ الآخر: تأخر شهرين من يوم الشراء، فشهر من تاريخ مدة الشراء هو أمر الإستبراء المنتظر، والشهر الثاني هو الزائد على المعتاد. وقد ذكر في كتاب ابن المواز ما ظاهره الاضطراب في التحديد في الشهر وفي أكثر منه وذكر أن الطول أربعة أشهر. وذكر أيضا أنه إذا مضى ثلاثة أشهر نظر إليها القوابل، فإن قلن لا حمل بها ساغ للمشتري وطؤها، وإن شاء استمك بها. وإن تمادى تأخر الدم، كان له الرد لما يلحقه من الضرر إذا أراد البيع. وذكر ابن شعبان عن مالك والمغيرة
وابن دينار أنه إذا مضى خمسة وأربعون يوما مكن البائع من الفسخ، إن أراده، لما يلحقه من الضرر في الانتظار. ومدار هذا كله على ما أشار إليه في المدونة من اعتبار حصول الضرر. فإنه إذا حصل، كان للمشتري مقال في فسخ البيع لأنه لم يشتر إلا ما ينفعه لا ما يضره.
ومما يعد عيبا أيضا من ناحية الفرج هو أن يكون العبد والأمة يبولان في الفراش. فإنه إذا كان ذلك، وهما من الصغر بحيث لا يستنكر ذلك فيهما، فلا مقال للمشتري. وإن بلغا السن الذي يستنكر ذلك فيه، ويثبت أن ذلك كان عند البائع قبل عقد البيع، فللمشتري الرد. وإن لم يثبت ذلك، فإن محمد بن عبد الحكم لم ير له تأثيرا لجواز أن يكون العبد أو الأمة كرها من اشتراهما فتعمدا البول في الفراش ليردهما. والظاهر من المذهب أن هذا من التجويز البعيد الذي لا يسقط الحقوق. فذكر ابن حبيب أنه ينبغي إن توقف على يد امرأة أو رجل له امرأة، فإن نظرت إلى الفراش لما أصبح وهو مبلول وأخبرت بذلك، فإنه يوجب على البائع اليمين لثبوت هذا اللطخ، وإن لم يثبت هذا اللطخ، فلا يمين عليه.
وإن كان المشتري هو المحاول إثبات هذا عند القاضي، فإنه لا يقبل فيه إلا شهادة عدلين أبصرا ذلك.
وأما الخنث في الذكران والفحولة في النسوان، فإن في المدونة أن ذلك عيب يرد به العبد والأمة. وشرط في الأمة أن تشتهر بذلك. لكن ابن حبيب فسر هذا العيب المجمل في كتابه، فذكر أن مالكا إنما يجعله عيبا إذا كان الذكر يؤتى، والأنثى فحلة لشرار النساء. وأما التأنيث من جهة التكسر في المعاطف والنظر والنطق، فإن هذا ليس بعيب يرد به.
وقد حمل الشيخ أبو محمد بن أبي زيد قول ابن حبيب هذا على أنه مخالف لمذهب المدونة، وأشار إلى أنه لا يشترط في المدونة كون المخنث يؤتى، والجارية تراضع (1) النساء.
وخالفه بعض المتأخرين في هذا التأويل. وأشار إلى كون ابن حبيب مفسرا لما أجمله في المدونة لا مخالفا فيها. ورد الشيخ أبو عمران قول ابن حبيب بأنه قد اشترط في المدونة كون الأمة اشتهرت بذلك، ولو كان المراد بذلك حصول الجماع بين الذكرين أو الأنثيين، لكان وقوع ذلك مرة واحدة عيبا لا يحتاج فيه إلى التكرار. وإنما قيد في الأمة بالاشتهار لكون فحولتها لا تضعف شيئا من أعمالها, لكن اشتهارها بهذا نقص وعيب. وقد جاء في الحديث أنها ملعونة (1)، فإنه يستدل بخنثه في حركاته وألفاظه على ضعف قوته وعمله. والضعف عيب وإن لم يشتهر.
وأما البكارة والثيوبة فإنها لا يلزم البائع بيانها. ولا يرد المشتري بالثيوبة إذا لم تشترط في أصل العقد، إلا أن تكون الأمة في سن من لا تقتضي (2)، فإن ذلك يقوم مقام الاشتراط أيضا، ويكون للمشتري الرد بالثيوبة. ولو قال المنادي عليها: إنها تزعم أنها بكر، فإن ذلك يقوم مقام الاشتراط لكونها بكرا، ولا يلزم البائع أن يبين أنها ثيب، ولا يمكن المشتري من الرد عليه إذا باع مطلقا. وهذا عندي إنما يتجه إذا كانت الثيوبة أمرا غالبا فيحمل الإطلاق عليه، ويظن أن المشتري عليه دخل. لكن ذكر في الرواية أن المشتري لو قال للبائع: أبكر هي أم ثيب؟ فقال: لا علم لي، فإنه يصح البيع ولا يردها بالثيوبة. ولم ير هذا تخاطرا وعقدا (3) بيعا على صفة مجهولة لم يحط بها المتبايعان، والثمن يختلف باختلافهما.