وهكذا كان بعض أشياخي يرى فيمن اشترى عبدا فاطلع على أنه صقلبي أو اشترى جارية فاطلع على أنها مغنية، وهو ممن لا يرغب في صقلبي ولا مغنية، فإن له الرد بذلك، لكون الصقلبي يضعف عن العمل، والمغنية لا تستخدم. فإن كان ممن يرغب في ذلك، فلا يكون في حقه عيبا يوجب الرد.
وإنما يبقى النظر عندي في هذه أن من اشتراها وهو من قوم يرغبون في ذلك، قد يقول: قد احتاج إلى بيعها فلا يشتريها مني القوم الذي لا يرغبون فيها، ويشتريها من يرغب فيها فيقف عنها أيضا من لا يرغب فيها.
وقد ذكر أبو حامد الاسفراييني إختلافا عندهم فيمن اشترى جارية ثيبا فإذا هي بكر، أو اشترى جارية جعدة الشعر فإذا هي سبطة الشعر. فذكر عن بعض أصحاب الشافعي أنه يذهب إلى أن له الرد إن اطلع على أن الحال أفضل من الحال التي دخل عليها. قال أبو حامد: وهذا غلط لأنه يقدر على أن يبيعها بأكثر من الثمن الذي اشتراها به، فأنت تراه كيف أشار إلى تمكن المشتري من البيع بغير خسارة. وهذا هو المعتبر في حقائق العيوب.
والجواب عن السؤال الثانى أن يقال: أما النقص في الرقيق من ناحية الخلق، فإن العمى والعور والصفرة في العين والبياض عيوب توجب الرد.
وكذلك الصمم والبكم ما لم يكن صغيرا لا يتبين بكمه.
وأما سقوط الأسنان فإن المذهب اتفق على سقوط ضرسين عيب يوجب الرد، سواء كان ذلك في علي الرقيق أو وخشه, لأن ذلك يمنع من مضغ الغليظ، وتكسير الصلب، وسرعة الأكل. وأما ضرس واحد فعيب في العلية، وليس بعيب في الوخش، إلا أن يكون في مقدم الفم، فإنه يقبح منظرته. وهذا الذي حكيناه، من اتفاق أو اختلاف، المعتمد فيه على ما قدمناه من اعتبار كون ذلك ينقص من الثمن أو لا ينقص منه، ولكنه يكره. وأما العمل فعيب في العليات. وأما الوخش من الخدم فاختلف قول مالك فيه، فروى عنه ابن القاسم أن ذلك عيب، وروى عنه أشهب أنه ليس بعيب. وقال الشيخ أبو بكر ابن عبد الرحمان: محمل هذا عندي على أن هذه الحامل من العجم اللائي جلبن، وأما لو كانت من الخدم المقيمات بالبلد لكان عيبا, لأن هذا العمل لا يخلو أن يكون عن زنى أو عن تزويج، وزنى الأمة عيب يوجب ردها، وكذلك كونها ذات زوج.
وهذا الذي قاله صحيح. وإنما يبقى النظر فيه إذا كان من زوج ولكن الزوج طلق أو مات، فإن طلاقه لا يرفع العيب. وأما موت الزوج ففي كونه رافعا للعيب اختلاف سنذكره.
وأما كون الأمة زلاء صغيرة الكفل والردف، فإنه ذكر في المدونة أنه ليس بعيب. واختلف في تعليل ذلك. فأشار ابن حبيب إلى أن العلة في ذلك كونه لا يخفى. وطعن في هذا بعض المتأخرين بأن هذا التأويل لا يليق بما قاله في المدونة, لأنه قال: ليس هذا بعيب. ولو كان إنما عول على أنه لا يخفى، لكان الجواب أن يقول: لا قيام له به، ولم يجب بأن يقول هذا ليس بعيب. وتأوله كثير من المتأخرين على أن المراد به أن هذا النقص ليس بفاحش ولا خارج عن
العادة. ولو كان نقصا خارجا عن العادة لوجب الرد. وفي كتاب ابن المواز إشارة إلى هذا التعليل. وذكر أيضا أن المشتري إذا اطلع على أنها صغيرة الصدر، فإنه لا رد له إلا أن يكون فاحشا. وهذا الذي أشار إليه يعضد تأويل هؤلاء الذين تأولوا مثل هذا في أرداف الأمة وصغرها.
وأما وجود الشيب في شعر الرائعة وهو كثير، فإنه عيب بغير خلاف. وأما القليل من الشيب فظاهر الأمران المذهب على قولين، أحدهما: وجوب الرد بالشيب في الجارية العلية قولا مطلقا من غير تقييد. والقول الثاني: اشتراط كون الشيب كثيرا. وهذا أيضا إنما يعتبر فيه ما قدمناه من كون هذا ينقص من الثمن. والوخش ليس الشيب بعيب فيهن، إذ لم ينقص من الثمن.
وأما كون الجارية مستحاضة، فإنه عيب في العلي والوخش لكونه يضعف البدن ويسقم، وربما أدى لاجتناب الأمة إذا كانت للوطء.