ومدار هذا الإختلاف اعتبار انطلاق هذه التسمية عليها، وهي كونها غلة، هل بالإبار، لكون الخبر الوارد اقتضى الإشارة إلى أن الثمرة تكون مقصودة، ولهذا لم تخرج عن ملك البائع إلا باشتراط. وكذلك يجب أن تكون للمشتري إذا رد بالعيب. أو يقال إنما المقصود طيبها وزهوها، فحينئذ تباع تبعا عاما وتؤكل تفكها. فإذا صارت إلى هذه الحالة تحقق كونها غلة. أو يقال: إنها لا تدخر إلا إذا يبست، ولا تتخذ قوتا إلا حينئذ، فلا تكون غلة إلا باليبس. أو يقال: ما دامت لم تفارق الشجر، فكأنها جزء منها يجب ردها معها، كسائر أجزاء الشجر.
وإذا قلت إن الرد بالعيب كابتداء بيع اقتضى أنها لا ترد إذا أبرت لكون الذي يردها كبائع لها. وكذلك إذا سلكنا هذه الطريقة في الشفعة والإستحقاق، لا يتصور فيه هذا. وكذلك البيع الفاسد فهذه النكتة المعتبرة في هذا الفصل وهو الوقت الذي تكون فيه غلة.
والجواب عن السؤال الرابع أن يقال: أما ضمان المشتري لهذه الغلة إذا وجب عليه ردها، فإنه ساقط إذا لم يجدها وكان هلاكها في شجرها بأمر من الله سبحانه، فإنه إذا اشتراها، وهي مأبورة، فاشترط الثمرة أنه يجب ردها عند ابن القاسم، وإن جدها لكونها عنده لها حصة من الثمن، على حسب ما قدمناه. ومقتضى هذا أن يكون المشتري ضامنا لها ,لكونها مبيعة فاتت في يد مشتريها بأمر من الله تعالى، وهو لم يجدها يقتضي ألا حصة لها من الثمن. خلاف ما
حيكناه عنه من قوله: إنه يجب عليه ردها إذا فاتت لكونها لها حصة من الثمن، خلافا لما ذهب إليه أشهب. واعتذر بعضهم عن هذا بأنه إنما لم يضمنها لكونها غير مقبوضة للمشتري. ولهذا منع أن يشتري النخل المؤبرة بطعام تكون الثمرة يتأخر قبضها, ولا يجوز التأخير في بيع الطعام بالطعام. وعورض هذا الاعتذار بأن هذا يقتضي أن يرجع المشتري على البائع بثمنها لكونه ضامنا لها, ولو هلكت هذه الثمرة بأمر من الله سبحانه بعد أن جدها البائع لضمنها لكونه قد حصل فيها القبض عن البائع.
وعورض هذا أيضا بأئها إذا كان لا حصة لها من الثمن، لم يعد ضمان المشتري لها، بل يقضى له بارتجاع جميع الثمن إذا رد الشجر.
وقد قال بعض المتأخرين: لو اشتراها بعد أن أزهت لضمنها، وإن لم تفارق الشجر إذا هلكت بأمر من الله تعالى. يتبين وجهه إذا تكلمنا على أحكام الجوائح في الثمار.
وكذلك مال العبد إذا اشترطه المشتري، فإنه إذا رده بالعيب، رد معه ماله ولو اكتسبه العبد من غير خراجه. ولو هلك وهو بيد العبد لم يضمنه المشتري بل يقضي له بارتجاع جميع الثمن. ولو هلك هذا المال بعد انتزاعه لضمنه المشتري لأجل انتزاعه له واستبداده بملكه. وقد كان حصوله على جهة المعاوضة.
وهذا أيضا يلتفت فيه إلى ما قلناه من كون مال العبد، وإن اشترط، لا حصة له من الثمن. ولهذا جاز اشتراطه. وإن كان المال مجهولا وإن كان فيه عبد أبق لما لم يقدر أن في الثمن الذي بذله المشتري معاوضة على هذا العبد الابق الذي في جملة مال العبد. وإن كان قد وقع في الموازية لمالك: إذا كان في مال العبد جارية حامل، فإن البيع جائز. وإن كان ولدها إذا وضع يبقى للبائع، ولا يدخل في الاشتراط. لأن المشتري إنما اشترط ما يملك العبد وولده ليس بملك له. ووقف ابن المواز في هذا السؤال. ولعله يفرق بينه وبين جواز اشتراط ماله وإن كان فيه آبق. لأن الآبق الظاهر عدمه، فلا يقصد إلى بذل ثمن
منه. وهذه الجارية الحامل معينة ولها حصة من الثمن، ولا يجوز بيع أمة استثثى البائع جنينها. مع كون هذا العقد انعقد على تفرقة أم وولدها في الملك. وهكذا ذكر ابن المواز أنه لو كان في مال العبد جارية رهنها سيده، فإنه يجوز هذا البيع. وإن كانت هذه الجارية لا تقبض إلا إلى أجل، وهو حين افتكاك السيد الذي رهنها لها.