وأما اشتراط كون المشتري نقد الثمن، فإن هذا ليس لأجل الإستظهار باليمين على الإطلاق، بل يتفصل القول فيه، فتعتبر العادة في دفع الثمن، هل جرت بانتقاده حتى لو حضر البائع فادعى أنه لم ينقده، لم يصدق لكونه قد أطال المقام مع المشتري قبل أن يغيب. فإن اشتراط طلب اليمين ها هنا، مع كون المشتري مصدقا في دفع الثمن إنما هو استظهار مخافة أن يحضر البائع فيدعي ذلك، على حسب ما قلمناه في الشرطين المتقدمين. وأما إن كانت العادة تأخير الثمن إلى حين قيام المشتري بالعيب، فإنه لا يصدق في أنه دفع الثمن. ولو حضر البائع فأنكر القبض لصدق، إلا أن يثبت المشتري البينة بأنه دفع، فاشتراطه البينة في هذا الوجه الثالث تكون تارة لأجل نفي اليمين وتارة لتقبل دعواه.
وهذا خلاف ما يقضى به في مكتر اكترى جمال رجل ثم هرب فطلب
الجمال أن يكريها عليه، فتكون الزيادة للهارب المكتري، ويكون النقص عليه يتبع به، فإنه ها هنا إن كانت العادة تأخير النقد فإن الجمال مصدق أنه لم يقبض الكراء، لكون المكتري الهارب لو حضر فادعى دفع الكراء لم يصدق، بل صدق الجمال لكون العادة تؤكد صحة قوله. [ولو كانت العادة ها هنا (1) النقد، لم
يقف القضاء، لكون الجمال ادعى لم يقبض، وذلك خلاف العادة، لكون المكتري الهارب لم يدع ما اقتضته العادة من النقد ويحلف مع العادة التي هي مقام شاهد، فتصح دعواه فلا يمنع كون العادة في الكراء النقد القضاء للجمال بمقتضى دعواه. وإن خالف العادة لكون العادة لم تحضر أحد يحلف معها.] وفي مسألة العيب إذا كانت العادة النقد، فالمشتري الذي يرد بالعيب حاضر يحلف معها.
وأما المسألة الثانية، فإنه ذكر في المدونة أن المشتري إذا أدعى أن هذا العبد الذي اشتراه كان البيع فيه فاسدا، وأثبت ذلك، والعبد لم يفت، فإن القاضي يفسخ البيع، ويبيع العبد في الثمن، على حسب ما قدمناه في بيع القاضي للغائب. وإن نقص ذلك عما وجب للمشتري على البائع اتبع المشتري البائع به. والقاضي إنما يبيع هذا العبد لكون البائع لا مال له يقضى منه سواه.
ولكونه أمثل ما يباع على الغائب، أو لخوف موت العبد أو إباقه، لكون هذا العبد الذي اشتري شراء فاسدا لو فات في يد المشتري لقضى القاضي بإيقافه في يد المشتري، وألزمه قيمته يوم قبضه، ويقاص عن البائع الغائب بهذه القيمة، ويحاسب المشتري بماله على الغائب وعليه، ويترادان الفضل متى ما تلاقيا.
وقد عارض الأشياخ ما أشار ها هنا من إبقاء الفضلة في ذمة المشتري شراء فاسدا إذا فات المبيع في يديه. وإشارته في الرد بالعيب إلى كون الفضلة توقف للغائب وأشار ابن أبي زمنين وغيره إلى أن البائع غاب وصارت القيمة له دينا على المشتري لسبب فساد بيعه وما دخل فيه. والسلطان لا يقتضي ديون الغائب إذا لم يفقد لكونه غاب، وهو راض بذمة من هي في ذمته، فلانظر للقاضي في ذلك. بخلاف لو جنى رجلا على مال غائب، فإن القاضي يطالب الجاني لكون صاحب المال لم يرض بما فعل الجاني ولا يبقى ما وجب عليه في ذمته بلا نظر.
وطعن بعضهم في هذا الفرق بأن قال: البائع بيعا فاسدا لم ينصرف عن
رضا يكون هذه القيمة في ذمة المشتري، وإنما انصرف على أن لا مطالبة بينهما. فيكون للقاضي النظر في هذا الفاضل للغائب، لكونه لم ينصرف عن رضا ببقائه في ذمة المشتري. وأشار إلى أن الفرق كون الرد بالعيب ينقض البيع من أصله، فإذا انتقض برد المشتري بالعيب، صار المشتري والبائع كأنهما لم يتعاملا قط، فينظر القاضي في مال الغائب. وهاهنا في البيع الفاسد العبد المعيب الذي تعاملا فيه لم يرجع إلى ملك البائع، وإنما تغيرت المعاملة في مقدار الثمن، فيجب بقاء الفضلة في ذمة المشتري.
والتحقيق عندي في هذا أن المشتري لهذا الذي باعه القاضي إن لم يكن هو المشتري الأول، أبقي فاضل الثمن في ذمته إن كانت مأمونة. ولم ينبغ له أن يخرج ذلك إلى أمانة يكون معرضا للضياع. وإن خاف على ما في الذمة وأمن على الثمن إذا أوقفه في أمانة، فإنه يوقفه.