وإذا تقرر أن الحكم في اختلاف المتبايعين في جنسين التحالف والتفاسخ، فإنه لو حلف أحدهما ونكل الآخر، لكان الحالف يقضى له بما حلف عليه. لكن اعتبر الأشياخ ها هنا حق الله سبحانه فيما نهى عنه من أحكام الربا، وبيع الطعام قبل قبضه وما كان في معنى ذلك، فأمروا المقضي عليه أن يتحيل على تخليصه (1) من الربا وما في معناه مما حرم. وإذا (2) اختلفا في قمح وشعير، والمكيلة فيهما سواء، وقد حل الأجل، فإنه إذا كان الحالف من له السلم قضي له بما حلف عليه، وحل للآخر أن يعطيه أن (3) يقول: إنه لا يستحقه لأن المبادلة في مثل هذا، قمحا بشعير كيلا واحدا، سائغ. ولو كان
اختلافهما في هذين الجنسين، والمكيلة مختلفة، فزعم المسلم أنه أسلم في مائة قفيز قمحا-. وقال المسلم إليه: بل في مائتي قفيز شعيرا، فإنه إذا حلف المسلم كان على المسلم إليه أن يخرج من ذمته الشعير، الذي يزعم أنه هو الذي له عليه، ويبيعه ويشتري بثمنه قمحا فيسلمه للمخالف عليه. فإن تخلص، فيما باع، من خسارة أو ربح فلا كلام، وإن لم يوف ثمن الشعير الذي باعه بالقمح الذي يزعم أنه عليه أمر أن يكمل للحالف ما بقي له من القمح. وإن باع الشعير بزيادة على ما يشترى له به القمح، ووقفت هذه الزيادة حتى يطلبها مستحقها، فإن لم يطلبها، وسلمها (1) تصدق بها عنه. وقد قدمنا في كتاب السلم الأول ما يجوز أخذه عن الأطعمة المسلم فيها إذا حل الأجل، وإذا لم يحل، فمن هناك تعلم ما يجوز له أن يدفعه للحالف وما لا يجوز له أن يدفعه فيؤمر ببيعه، على حسب ما فصلناه. وراعى الأشياخ في هذا حق الله سبحانه في التخليص (2) من الربا وغيره مما يحرم في هذه المعاوضات والمبادلات، ولم يلتفتوا إلى النظر في العهدة، وكون ما علم المسلم إليه إذا بيع فقد يضيع الثمن فيتكلف خسارة أخرى، وكذلك إذا حلف المسلم إليه ونكل المسلم أمر المسلم أيضا يأن لا يأخذ ما حلف عليه المسلم إليه بل يبيعه ليتخلص من الربا، ويشتري بثمنه ما يدعيه، على حسب ما فصلناه.
والجواب عن السؤال الثالث أن يقال:
المعروف من المذهب أن اختلاف المتبايعين في كيفية المسلم فيه، بأن يقول المسلم: أسلمت إليك في مائة قفيز قمحا طيبا من جنس كذا. ويقول المسلم إليه: بل دنيئا. وقد اتفقا في جنس القمح، أنهما يجري أمرهما على ما قدمناه من اختلافهما في الكمية، بأن يقول أحدهما: بعتك ثوبي هذا بعشرة
دراهم. ويقول الآخر: بل بتسعة دراهم. وجميع ما جرى من اختلاف الروايات عن مالك مما بيناه هناك، يجري ها هنا. لكن ربما وقع إشك الذي بعض المسائل: هل يعود اختلافهما إلى جنسين، أو إلى صفة الجنس الواحد، كما كنا قدمنا مذهب مالك وعبد الملك، في اختلافها في قمح وشعير، أن مالكا ذهب إلى التحالف والتفاسخ، لكون الشعير (1) ها هنا جنسين. وذهب عبد الملك إلى أنهما كجنس واحد، واختلفا في جودته أو دناءته.
وكذلك اختلف أصحابنا أيضا في اختلاف المتبايعين في سمراء ومحمولة، فذهب ابن حبيب إلى أن هذا الاختلاف يعود إلى اختلاف في صفة المسلم فيه فكأن من قال: أسلمت في سمراء، قال: أسلمت في قمح جيد؛ ومن قال: إنما السلم على محمولة؛ قال: إنما أسلم إلي في قمح دنيء. وقد كنا قدمنا عنه أنه يقول في السلم الفاسد إذا فسخ: لا بأس أن يأخذ محمولة من سمراء. وهذا قد يشير به إلى أنهما كصنفين، إن كان يمنع بعد الفسخ أخذ الصنف بعينه الذي وقع الفسخ فيه.
وذهب فضل بن سلمة إلى أنهما يتحالفان ويتفاسخان. وحمل بعض الأشياخ عليه أنه يرى هذا الاختلاف كاختلاف في جنسين، ويمكن أن يكون سلك في هذا طريقة من يرى التحالف والتفاسخ في الاختلاف في مقدار الثمن، وإن فات المبيع. ونقل هذا عن فضل بن سلمة بكلام يوهم أنه كذلك يقول: لو كان اختلافهما: هل وقع السلم في سمراء جيدة أو وسطة؛ وهذا النقل إنما يصح على ما أشرنا إليه بأنه سلك طريقة من يرى التحالف والتفاسخ في مقدار الثمن وإن فات المبيع.