وأما عبد الملك فإنه إنما استلوح ما ذهب إليه، في اختلاف المتبايعين، في هل كان السلم في قمح أو شعير؛ فإنما صار إلى ذلك لأنه لما رأى أن التفاضل بين القمح والشعير لا يجوز، استشعر من ذلك أنهما كصنف واحد اختلف المسلم والمسلم إليه هل عقد السلم على جيد ذلك الصنف أو رديئه، ولا معنى لاعتبار حكم الربا ها هنا لأن علل الربا غير علل التداعي.
وإنما وجب التحالف والتفاسخ في الجنسين لأن المتبايعين لم يقر أحدهما بما ادعاه عليه الآخر من انتقال الملك فإذا قال المسلم: أسلمت إليك في بر، وقال المسلم إليه: بل في تمر. وقال: بعتك هذه الجارية بمائة دينار.
وقال الآخر: بل اشتريتها بمائة قفيز بر. فصاحب الجارية يدعي أن ثمنها دنانير أو عرض غير البر، والمشتري لم يقر له بذلك، فصار بمنزلة رجل قال لآخر: بعت مني ثوبك، ويقول صاحبه: لم أبعه، فإن القول قول المدعى عليه البيع
إجماعا. فقوله في مسألتنا: وكذلك المشتري يدعي على البائع ما لم يقر له به، فإذا قال البائع: بعت جاريتي منك بثوبك، وقال المشتري: بل بعبد. وهكذا فإن البائع لم يقز له بانتقال الملك عن الجارية إلا بشرط أن يعطيه ثوبه عوضها، فلا يلزم نقل ملكه بجنس أمر (1) غير الجنس الذي أقر بأنه إنما باع به. وإذا اختلف الجنسان فلم (2) يقع اتفاق في نقل الملك، ولا على انعقاد البيع؛ بخلاف الاختلاف في مقدار الثمن فإنهما اتفقا على جنسه وعلى مبلني ما منه، وانفرد البائع بطلب غرامة المشتري زيادة على المبلغ الذي اتفقا على جنسه واستحقاق البائع له. وكذلك في السلم إذا قال المسلم: أسلمت إليك في تمر. فإنه يدعي على المسلم إليه أنه باع منه تمرا، فلا تقبل دعواه، ويدعي المسلم إليه أنه اشترى منه برا فلا تقبل دعواه. وإذا تقرر أن المذهب التحالف والتفاسخ في هذا، فسواء قيام السلعة فيه وفوتهما، لأجل ما بيناه من كون هذين المتبايعين لم يتفقا على جنس، ولا على انتقال ملك، لبهن يجب رد القيمة ها هنا مع فوت السلعة المقبوضة.
وقد قال في المدونة: إذا قال بعتك جاريتي بمائة دينار، وقال المشتري: بل اشتريتها منك بخمسين دينارا أنهما يتحالفان ويتفاسخان، وإن فاتت الجارية قضي على المشتري بقيمتها يوم قبضها.
وتنازع الأشياخ في هذه اللفظة هل هي متأولة أم لا؟ فذهب ابن شبلون إلى إبقائها على ظاهرها، ورأى أن القيمة التي يقضى بها، في هذا الاختلاف، يعتبر فيها يوم القبض، سواء كان التنازع في جارية أو عرض آخر سواها. ورأى الشيخ أبو محمد بن أبي زيد أن القيمة إنما تعتبر يوم العقد، لكن الجارية لما كانت فيها المواضعة أشار فيها إلى يوم القبض، وهو خروجها من المواضعة، وإن تقدم العقد أياما. وإلى هذا التأويل ذهب الشيخ أبو بكر ابن عبد الرحمن،
وذكر أنه ناظره الشيخ أبو القاسم بن الكاتب في مجلس الشيخ أبي الحسن بن القابسي رضي الله عنهم في هذه المسألة.
وسبب هذا التنازع الذي وقع بين هؤلاء الأشياخ أنه قد تقرر أن البيع الصحيح إذا وجب رد العرض فيه، وقد فات، فإنما تعتبر فيه القيمة يوم العقد؛ لأن يوم العقد تحقق انتقال الملك، فيطلب قيمة الملك الذي انتقل إليه إذا لم يقدر على رده لفوته. وتقرر أيضا أن البيع الفاسد لما كان لا يجب إمضاؤه بل يجب نقضه ورده، ولم يتقرر فيه انتقال الملك انتقالا محققا، فاعتبر فيه يوم القبض ووضع اليد عليه، فاعتبر فيه قيمة ما وضع عليه يده يوم وضعه يده وقبضه له. فقد رأى الشيخ أبو القاسم بن شبلون أن هذين المتبايعين لما اختلفا في جنسين تضمن ذلك كون الملك لم ينتقل على حسب ما صورناه أو لا، وإذا لم يتحقق انتقاله اعتبر فيه يوم القبض كالبيع الفاسد. ورأى الشيخ أبو محمد أنه لما كان عقدا لا فساد فيه، ولو رجع أحدهما إلى تصديق الآخر لم يمنع من ذلك ونفذ البيع بينهما، اعتبر في القيمة يوم العقد كما يعتير في العقد الصحيح.