وذهب أشهب إلى المساواة بين الطعام وغيره ورآه كالعروض في تحديد الأقل والأكثر، وإن استحقاق النصف منه لا يوجب للمشتري رد الباقي الذي لم يستحق. ولو كان المبيع حريرا أو كتانا وشبه ذلك مما يكال ويوزن، فإنه
يعتبر الأقل فيه والاكثر بحسب ما يعتبر في العروض في حكم الاستحقاق.
وكأن العلة التي ذكرناها في الرغبة في شراء الجملة مختصة بالطعام دون العروض التي تكال أو توزن.
ولو كان العيب الموجود في الطعام يختص بقدر لا مقال له فيه، فإن الشيخ أبا محمد ابن أبي زيد منع ها هنا أن يكون للبائع مقالا في التبعيض، ورأى أن من حق المشتري أن يرد هذا المعيب خاصة لقلة ثمنه، فيخف الضرر ها هنا بالبائع من ناحية التبعيض، بخلاف ماله قدر وبال. وقد قدر بعض الأشياخ هذا الذي أشار إليه ابن أبي زيد بعشرة أرادب من مائة أردب.
ولو كان الطعام لم يبع على الكيل والوزن وبيع صبرا، وهو جنس واحد، لجرى مجرى الطعام المكيل والموزون فيما ذكرناه من أحكام العيب الموجود ببعض الصبر، وأحكام تحديد القلة والكثرة.
وقد جعل ابن المواز الطعام الجزاف، بخلاف ما قلناه في المكيل، في أن استحقاق النصف منه لا يوجب للمشتري مقالا في الباقي. قاله في مسألة من باع صبرتين أو حملين واستحق أحدهما. والقياس ألا فرق بين مكيل الطعام وجزافه إذا كانت الرغبة في شراء جملته أشد. فلو كانت مختلفة كشعير وقمح، لجرت مجرى العروض، لكون كل صبرة الغرض منها غير الغرض من الأخرى.
وأما إذا كان المبيع عروضا مثل أن يبيع عبدين فيوجد العيب بأدناهما.
فيريد المشتري رده خاصة ويمنعه من ذلك البائع ويعتل بأن المعيب والسالم يحمل بعضهما بعضا، فإنه لا مقال للبائع في ذلك، بخلاف ما ذكرناه في الطعام.
ورأى بعض أشياخنا أنه لا فرق بين العروض في هذا والطعام. وذكر أن الداودي ذكر أن العيب إذا وجد ببعض الصفقة، فإن للبائع أن يمنع من التبعيض، كان العيب في أكثرها أو أقلها. وتعلق أيضا بما وقع في المدونة من أن المشتري إذا وجد في صفقته ما يضر به في أكثر عدده ووزنه وكيله فأراد أن يمسك السالم بحصته من الثمن، فليس له ذلك. وقدر أن للبائع فيه مقالا في أن
يحمل السالم المعيب كون السالم هو الأقل، فأحرى أن يكون للبائع مقالا في أن يحمل الأكثر هو السالم عيب أقل الصفقة إذا كان هو المعيب. ويتعلق بذكر الموزون والمكيل مطلقا من غير تخصيص بأن يكون طعاما. وقد قدمنا عن غيره أن الموزون والمكيل يحمل بعضها بعضا في العيب، بخلاف العروض.
وإذا توجه للمشتري رد الأقل لبطلان أكثر الصفقة، فإن أراد الإمساك ورضي ببطلان غرضه في الاستحقاق، فإنه يمكن من ذلك إذا كان الذي يتمسك به معلوما مقداره من الثمن بأن يكون المبيع وقع على قيل أو وزن، فإنه يعلم إذا استحق من ذلك أكثر أجزائه ما يختص بالجزء الذي يستحق. فأما إن كان مما لا يعلم مقداره، كاستحقاق أعلى عبدين فيها، فإنه يمنع من الإستمساك بالعبد الأدنى الذي لم يستحق عند ابن القاسم, لأنه لما ملك رده صار استمساكه به كابتداء اشترائه بثمن مجهول, لأنه لا يستمسك به على (1) أن ثمنه مقدار ما يختص به من ثمن جميع الصفقة وذلك مجهول.
وأجاز ذلك ابن حبيب وقدر أنه لما لم يختر المشتري رد ما بقي في يديه، فإن استمساكه به بحكم العقد الأول الذي كان ثمن العبدين جميعا فيه معلوما، ولم تضر الجهالة في أصل العقد بما ينوب كل واحد من العبدين لما كانا لمالك واحد، فكذلك لا تضر هذه الجهالة الواقعة بعد صحة العقد, لأن العقد لم ينحل بالرد. ألا ترى أن هذا العبد الذي لم يستحق لو مات في يد مشتريه، كان ضمانه منه لكون البيع فيه منعقدا حتى يرده المشتري.
وقد يجري هذا الخلاف على الاختلاف الذي ذكرناه في جمع سلعتين لرجلين. وقد ذكرنا سبب الخلاف في موضعه.