تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد يقال ها هنا أيضا: إن من حق البائع أن يغرم لأحد الشريكين قيمة ما يخص به من العيب لأجل ما يلحقه من ضرر التبعيض.

وقد احتج من نصر إحدى الروايتين من تمكين أحد المشتريين، بأن البائع لما عقد من رجلين، وقد علم أنه يختلف اختيارهما، صار كالراضي بعيب التبعيض.

وقد يقال ها هنا: إن البائع لما جوز أيضا أن يبيع المشتري منه نصف العبد الذي اشتراه، لم يطلع على ما يوجب له الرد فدخل على التبعيض. لكن قد يقال: هذا التجويز والإمكان من مقتضى العقد في أصله، والمشتريان عبدا من رجل واحد قد تضمن أصل العقد تمكين كل واحد منهما من اختياره لعلم البائع بتعددهما، فهذا مما ينظر فيه.

وأما إن كان التبعيض من ناحية المبيع مثل أن يوجد العيب في بعض ما بيع دون بعض، فإنه لا يخلو أن يكون ذلك في أحد مبيعين بيعا أو في واحد من أعداد بيعت. ثم لا يخلو هذان القسمان من أن يكون جنس المبيع مما لا يكال ولا يوزن، أو مما يكال ويوزن، وهو طعام أو غير طعام.

فأما إن كان البيع اثنين، مثل أن يبيع عبدين، وجد العيب بأحدهما دون الآخر، فإنه إن كانا متكافئين ينوب كل واحد منهما نصف الثمن، فإنه لا يمكن المشتري إلا من رد المعيب خاصة، ويلزمه العقد في العبد السالم لأن العقد

صحيح لازم. والموجب لرد (1) العيب، والعيب مختص بأحدهما، فيجب أن يختص الرد به.

وكذلك إن تفاوتت قيمة العبدين فكان العيب موجودا بأدناهما، فإنه لا يمكن المشتري من رد الآخر الذي هو سالم من العيب بما ذكرناه من التعليل.

وإن كان العيب موجودا بالأعلى منهما، فإن للمشتري أن يرد السالم الذي هو أدناهما لما يلحقه من الضرر باقتصاره في العقد على الأدنى، وانفساخ العقد في الأعلى الذي هو وجه صفقته والغرض المقصود منهما.

وإن كان المبيع أعدادا مثل أن يبيع عشر ثياب فيجد العيب في أقلها، فإنه لا يمكن من رد أكثرها. وإن وجد العيب في أكثرها، فإنه يمكن من رد أقلها.

وذكر أشهب في المدونة فيمن اشترى عشر شياه، فوجد تسعة منها غير ذكية، أو عشر قلال خلا فوجد تسعة منها خمرا، أنه يلزمه العاشر الذي يصح عقد البيع فيه.

وهذا قد يسبق إلى النفس منه أنه يرى أن من اشترى عبدين فوجد العيب بأعلاهما، أنه يلزمه الأدنى الذي هو الأقل في الصفقة، كما لزمه ها هنا العاشر من القلال أو الشياه.

لكن بعض المتأخرين أشار إلى منع هذا التخريج، وقصر الخلاف بينه وبين ابن القاسم على أن ذلك مما ينقسم، والعشرة المذكورة أعداد يصح انقسامها، فلهذا قال فيها أشهب ما ذكرناه عنه، والعبدان اللذان تختلف قيمتهما لا يصح انقسامهما، فلهذا لم يلزم الأدنى منهما إذا وجد به عيب أو استحق.

وأشار غيره من أشياخنا إلى هذه الطريقة أيضا في ارتفاع الخلاف بين أشهب وبين ابن القاسم في هذا بأن العبدين يقصد في عقد الشراء كون الأدنى منهما تبعا للأعلى. فإذا بطل المقصود بطل العقد. والذي ذكره في الشياه

والقلال محمله على أن القلال والشياه متساوية أو متقاربة، ففقد أكثرها لا يبطل غرض المشتري في بقيتها. هذا هو الحكم من ناحية المشتري وما يتعلق له بالعقد من حق. ويستوي في هذا الحكم جميع أجناس المبيع الذي قدمنا تفصيلها. وإن اختلف في تحديد الأقل والاكثر فيها.

وأما النظر في هذا العقد من ناحية البائع، فإنه إذا لم يتوجه للمشتري الرد بجميع ما وقع علي العقد، لكون المعيب قليلا، فإنه إن وافقه البائع على هذا (1) الذي هو الحكم من جهة المشتري لم يتغير ما قدمناه من الجواب. وإن خالفه، وقال: إذا قصرت على الإستمساك بالأدنى أضر ذلك بي، لكون السالم من الصفقة يحمل المعيب. فإنه إن كان المعيب طعاما مكيلا أو موزونا، فإن من حق البائع أن يمنع المشتري من التبعيض، ويطالبه بأن يمسك الجميع، السالم والمعيب، أو يرد الجميع. وكذلك إن كان المبيع مما يكال ويوزن ولكنه ليس بطعام كالحرير والكتان، فإن الحكم فيه كالحكم في الطعام في كون البائع من حقه أن يمنع من التبعيض. وإنما يختلف المكيل والموزون إذا كانا طعاما أو حريرا أو كتانا في تحديد الأقل، فإن الطعام الثلث فيه كثير في الإستحقاق ومن اشترى مائة قفير قمحا فاستحق ثلثها، فإن له عند ابن القاسم رد بقيتها، بخلاف من اشترى مائة ثوب فاستحق ثلثها أو نصفها، فإن ما لم يستحق منها لازم للمشتري. والعلة عنده في ذلك أن الطعام يرغب في شرائه جملة، في مقتضى العادة، فكان ذهاب الثلث منه في حكم الكثير المذهب لقصد المشتري. ولو كان الذاهب منه يسيرا كالخمس، فإنه لا مقال له لقلة الضرر بالتبعيض بهذا المقدار.

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٢٨٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ٢٨٧