وقد قيل إن مقتضى ما يشير إليه أشهب ما ذهب إليه ابن حبيب ها هنا. لكون أشهب أجاز في مسألة المدونة فيمن اشترى طوقا ذهبا فأصاب به عيبا أن يصالح عن العيب على دراهم مؤخرة. وقدر أن الطوق لما لم يرد بالعيب، صار
ما دفع من الدراهم المؤجلة إنما هو عوض عن ترك المخاصمة لا كاستئناف عقد يتصور فيه الربا. وذكر أيضا أشهب في من غصبت له أمة فولدت الأمة فباع الغاصب بعض أولادها، أن لمن غصبت منه بيع (1) ما بيع من أولادها دون ما سواهم مع كونه قادرا على أن يسترد الجميع أو يأخذ ثمن الجميع، فقد وقع منه التبعيض للعقد بثمن مجهول. وقد وقع في الموازية فيمن اشترى عبدين فوجد بكل واحد منهما عيبا، فإن له رد أحد العبدين والتمسك بالآخر. وهو إذا تسمك بعد قدرته على رده، فإنما تمسك به على أن يكون عوضه ما ينوبه من الثمن الذي دفعه عن جميع العبدين فلم يعتبر هذا لما كان أصل العقد عليهما صحيحا، وإنما حدثت هذه الجهالة بعد صحة العقد ووجبت الأحكام فيها كما ذكرناه من رد أو إمضاء.
وقد ذكر في المدونة فيمن باع شاتين مذبوحتين فوجد إحداهما غير ذكيه، أن ذلك بمنزلة الطعام إذا بيع فاستحق بعضه فإن له رد الذكية، على حسب ما قدمناه في الطعام في استحقاق بعضه، وله أن يتمسك بالذكية بحصتها من الثمن. وقد كنا قدمنا من أصله أنه إذا قدر على الرد، منع من الإستمساك بثمن مجهول. وقد قال يبيح لا يعجبني قوله: له أن يحبسها، فأشار إلى أنه خالف أصله في هذا. لكن الشيخ أبو محمد ابن أبي زيد استدرك هذا الجواب بان قال محمد (2) ما قال على أن هاتين الشاتين بيعتا على الوزن وهما متقاربتان في السمن. فإذا استمسك بالذكيه، فقد استمسك بثمن معلوم، لكون الموزون إذا استحق بعض أجزائه، كان ثمن الأجزاء الباقية معلوما، فلا يمنع مانع من جواز الإستمساك بها. وهكذا تأول الشيخ أبو بكر بن عبد الرحمان هذه المسألة على أن البيع وقع على الوزن. وأنكر أبو القاسم ابن الكاتب هذا التأويل ورأى أن ظاهر الكلام في المدونة يقتضي بيعها جزافا لكونه اقتصر على كونهما مذبوحتين. وظاهر ذلك أنهما لم يسلخا وأن رأسيهما باقيان، فلهذا عرفت
الذكية منهما. فإذا كانتا كذلك، فالبيع عقد على شخصيهما على ما هما عليه دون وزنهما مع كونهما يختلفان غالبا في اختلاف الأجرام والسمن اختلافا يوجب التقسيط للثمن والتقويم لهما. وقد حاول ابن القصار أن يخرج من هذه المسألة قولا آخر في المذهب في صفقة جمعت حلالا وحراما. أن البيع يصح في حلالها دون حرامها. ويقدر العقد ها هنا كعقدين منفردين. وكان مقتضى المعروف من المذهب ها هنا ألا يمكن هذا من الإستمساك بالشاة الذكية، لكونها وإن كانت حلالا، يجوز بيعها على انفرادها، فإن مضامتها في البيع إلى شاة غير ذكية يوجب فساد العقد كله في الذكية وغير الذكية. كما قال في المدونة في كتاب النكاح فيمن عقد على أم وابنتها. وللأم زوج لم يعلم به العاقد، فإن النكاح يفسخ في المرأتين جميعا، وإن كانت البنت يجوز العقد عليها منفردة في مستقبل الأمر، لا سيما مع كون العقد على (1) يؤثر في البنت لكون الأم ذات زوج، وذات الزوج العقد عليها كالعدم.
خلافا لما أشار إليه بعض الأشياخ من التفرقة بين المسألتين لكون العقد على البنت يؤثر في العقد على الأم ويقدح فيه لتعلق تحريم بعضه ابن كاح بعض على الصفة المذكورة في كتاب النكاح. ولا تعلق لتحريم الشاة الغير الذكية بالشاة الذكية، ولا يسري تحريم إحداهما أو إباحته إلى الأخرى.
ومن الأشياخ من يشير إلى أن فسخ جميع العقد إنما يجب إذا أجمل بثمن واحد. وأما إذا سمي للحلال ثمنه وللحرام ثمنه، صارا كالعقدين.
وقد كنا قدمنا الكلام على هذه المسألة مبسوطا ومذاهب فقهاء الأمصار فيها. ومنهم من يشير إلى أن مسألة كتاب النكاح قد تحمل على أنه قد جهل الفساد أحد المتعاقدين، وعلم إحداهما بالتحريم فيه (2) اختلاف، هل يوجب الفسخ أم لا؟ وكذلك يجري الأمر في مسألة الشاتين إذا علم أحد المتعاقدين