المشتري، فإنه عند ابن القاسم لا مقال له، فمتى رد عليه، كان له رده على البائع، على حسب ما قدمناه فيما سلف، لا سيما والعبد المبيع خرج من ملكه ثم عاد إليه، وهذا لم يخرج من ملكه بالإجارة والرهن، ولكنه حال بينه وبين الرد مانع، فأشبه اطلاعه على عيب في سلعة اشتراها وقد غابت عن يده، فلم يمكنه الرد الآن.
وكأن أشهب قدر أنه لما منع من التصرف في العبد الآن، صار ذلك كموت العبد في يده، أو خروجه عن يده بصدقة أو هبة أو كالكتابة التي توجب له أخذ قيمة العيب لما منع من التصرف في العبد، وإن كان ممكنا رجوعه إلى يده، لعجز العبد عن أداء الكتابة. وترجح ابن حبيب في هذا ورأى أن أمد التخلص لهذا العبد إذا طال صار ما عقد فيه كعقد الهبة والصدقة، وإذا قصر صار كأنه يمكن رده الآن.
وقد أشار بعض الأشياخ إلى أن تكليف مشتري العبد النظر في (1) فكأنه قبل حلول أجل الدين يوجب له أخذ قيمة العيب، لأجل ما يتوجب عليه من غرامة دين لم يحل عليه، فصار ذلك عذرا له في تمكينه من طلب قيمة العيب، كما يمكن من ذلك إذا حدث عنده نقص لا يمكن به الرد إلا مع غرامة قيمة النقص.
والجواب عن السؤال الثاني عشر أن يقال: أما التبعيض للعقد من ناحية تعدد من باع واشترى، فإنه:
إن تعدد من ناحية من باع، مثل أن يبيع رجلان عبدا لرجل واحد هو شركة بينهما، فإن المشتري إذا اطلع على عيب فأراد أن يرد على أحدهما النصف الذي باعه منه ويمسك نصيب الآخر، فإن ذلك له، وتقدر الصفقة الواحدة ها هنا كصفقتين.
وأما إن كان التعدد من ناحية المشتري، مثل أن يشتري رجلان عبدا من
بائع واحد، فأراد أحدهما الرد وأراد الآخر أن يمسك، فإن في هذا روايتين عن مالك. إحداهما أن المشتري يمكن من ذلك. وبه قال الشافعي ومحمد بن الحسن وأبو يوسف. والرواية الأخرى رواها أشهب عنه أنه لا يمكن من ذلك.
وبه قال أبو حنيفة. وسبب هذا الإختلاف النظر في هذه الصفقة والعقد الواحد هل يقدر كصفقتين وعقدين أو كصفقة واحدة وعقد واحد.
فمن قدره كصفقتين، مكن أحد الشريكين من رد نصيبه، وإن لم يرد شريكه.
ومن رآه كصفقة واحدة، لم يمكنه من الرد.
فيحتج من رآه كصفقتين بأن التعدد إذا كان من ناحية البائع، كما مثلنا به في المسألة الأولى، أن الصفقة تعد كصفقتين، ولهذا مكن المشتري الواحد أن يرد على أحد البائعين. وكذلك إذا كان التعدد من ناحية من اشترى.
وأجيب عن هذا القياس بأن التعدد إذا كان من جهة من باع، فإن المشتري لعبد من رجلين إذا رد على أحدهما نصف العبد وهو جميع ما اشتراه منه، هل يلحق هذا البائع مضرة في تبعيض صفقته إذ لا علاقة بينه وبين شريكه في هذا وملكه يتبعض عليه. وإذا كان التعدد من جهة من اشترى، فإن أحد المشتريين لهذا العبد إذا رد نصيبه على بائعه هو رجل واحد تبعضت عليه صفقته، والتبعيض إضرار به، فوجب أن يكون من حقه الامتناع من هذا الضرر.
ويؤكد كون العقد الواحد صفقتين أيضا أن كل واحد من المشتريين مختص بحكمه في العهدة والمطالبة بما عليه من الثمن، إلى غير ذلك من أحكام العقود. وكذلك يجب أن يخص حكمه في العيب ويكون ذلك صفقتين.
ومن يرى ذلك كالصفقة الواحدة يقول: لو باع رجل من رجلين عبدين، فأراد أحدهما أن يقبل أحد العبدين المتساويين، وأراد الآخر رد العقد، فإنه لا يمكن من قبل أحد العبدين من هذا القبول. وهذا يقتضي كون الصفقة ها هنا واحدة لا تقدر كصفقتين، إذ لو قدرت كذلك، لمكن هذا من أخذ أحد
العبدين.
وأجيب عن هذا أيضا بأن هذا البائع لو باع منهما عبدين صفقة، فكأنه إنما باع من كل واحد نصف عبد من كل واحد من العبدين، فليس لأحد المشتريين أن يتحكم على البائع ويجمع هذين النصفين في عبد واحد. وقد كنا قدمنا الكلام على مسألة من اشترى عبدا فباع نصفه ثم اطلع على عيب، وذكرنا أن ابن القاسم قال هناك: إن البائع يبدأ بالتخيير بأن يغرم نصف قيمة العيب في النصف الباقي في يد المشتري لما يلحقه من الضرر في التبعيض عليه.