المشتري والبائع قبل يمينهما إنا إنما نحلف لتنتفي الريبة عن أنفسنا، ونزيل الشك في صدقنا؛ فإنه لا ينفسخ الييع بنفس التحالف الواقع على هذا. ولو قدما أنهما يتحالفان لينفسخ البيع لا نفسخ بنفس التحالف (1) (فعلى كل واحد من المذهبين صرف كل منهما إلى ما لا يليق بمذهبه) (2).
وأما الوجه الخامس، وهو بيان حكم الفسخ إذا وقع ها هنا، هل يقع ظاهرا وباطنا أو ظاهرا خاصة، ففيه اختلاف. وكذلك اختلف أصحاب الشافعي فيه أيضا. وزاد بعضهم مذهبا ثالثا فيه وهو أن البائع إن كان ظالما وقع الفسخ في الظاهر دون الباطن، لأجل أنه يعتقد أن السلعة التي رجعت إليه بعد التحالف هو في إمساكها عن مشتريها منه ظالم غاصب، لكون المشتري ممكن (3) له من الثمن الذي يعلم أنه باع به، فلم يقبله منه، ومسك سلعته غصبا وتعديا، والغاصب لا يحل له التصرف فيما غصب. وإن كان البائع مظلوما انفسخ البيع في الظاهر والباطن لكون البائع قد منع من الثمن، ولا يلزمه تسليم سلعته بغير ثمن، وقد ردها المشترى عليه، فصار بردها كناقض حقه في عقدها، فتعود إلى ملك البائع ظاهرا وباطنا.
وفائدة هذا الخلاف أن الفسخ إن وقع في الظاهر والباطن حل للبائع التصرف فيها بما شاء من وطء وعتق وبيع وغير ذلك. وإن وقع في الظاهر خاصة لم يحل للبائع التصرف فيها بعتق ولا وطء؛ لأنه وطء لملك غيره، وعتق لملك غيره، وهو يقول: لي قبل المشتري دين منعني منه، وقد عثرت له على سلعة، فلا يمكن من أخذها عوض دينه، لكن يمكن من بيعها في الدين الذي له عليه. فإن سويت مثل الثمن الذي له عليه فلا كلام، وإن سويت أقل من ذلك ففي (4) بقية الثمن دينا له عليه، وإن سويت أكثر من ذلك رد الفضلة عليه.
وبين أصحاب الشافعي اختلاف: هل يبيع ذلك بنفسه، لأجل تعذر الرفع للحكام في مثل هذا، أو يتولى الحاكم البيع عليه؟ والأشبه بظاهر مذهبنا نحن أن نرفع للحاكم فيتولى البيع عليه.
والجواب عن السؤال الثاني أن يقال:
قد أشرنا إلى العذر في تقدمة الكلام على حكم الاختلاف في الكمية قبل الكلام على الاختلاف في الماهية. فاعلم أن المتبايعين إذا اختلفا في ماهية المبيع، فقال المسلم: أسلمت إليك في بر، وقال المسلم إليه: بل أسلمت في تمر أو قال المسلم: أسلمت إليك في حنطة، وقال المسلم إليه: بل في شعير، فإن مالكا رضي الله عنه ذهب إلى أنهما يتحالفان ويتفاسخان، ولو كان اختلافهما عند حلول أجل السلم. وذكر أبو الفرج في الحاوي عن مالك رضي الله عنه مثل ما ذكرناه ها هنا. وذكر أن عبد الملك قال: إنهما لا يتحالفان لأنهما اتفقا على جنس واحد، إذا كان اختلافهما ما بين حنطة وشعير. وتقييده نقل الخلاف عن عبد الملك في أحد المثالين اللذين مثلنا بهما بقوله: وقال عبد الملك إذا اختلفا، فقال المسلم: أسلمت إليك في حنطة، وقال المسلم إليه: بل في شعير. ولم يحك ذلك عنه إذا اختلفا في تمر وحنطة، مع تعليله ما ذهب إليه: بأن اختلافهما في قمح أو شعير اتفاق منهما على جنس واحد يقتضي أنه لا يخالف مالكا رحمه الله فيما ذهب إليه إذا اختلفا في جنسين متباينين كبر وتمر.
والتحالف والتفاسخ في اختلافهما في جنسين لم يختلف فيه أحد من أصحاب مالك رضي الله عنه لكن شيخنا أبا محمد عبد الحميد يخرج في هذا اختلافا من قوله في المدونة، في صباغ صبغ لرجل ثوبا أسود، فقال صاحب الثوب: إنما أمرتك أن تصبغه أحمر أن القول قول الصباغ، ولم يقل: يتحالفان ويتفاسخان، مع كون محصول اختلافهما أن الصباغ يقول: إنما بعتك نيلا، وهو الذي صبغت به ثوبك، ويقول صاحب الثوب: إنما اشتريت منك عصفرا أمرتك أن تصبغ به ثوبي.
وهذا الذي ذكره في المدونة، في مسألة الصباغ، يوجب أن يكون اختلاف المسلم والمسلم إليه في بر أو تمر، يصدق المسلم إليه فيما ذكر أنه عليه. وهذا الذي خرجه رحمه الله فيه نظر، وذلك أن الصباغ لما أسلم إليه الثوب وأمر بصبغه صار مؤتمنا على ما يفعل فيه، مصدق فيما ادعاه من الصباغ، كما صدق في أحد القولين مالك المشتري في مبلغ ثمن السلعة، إذا سلمها البائع إليه. وعلل ذلك بأنه اؤتمن على ما دفع إليه، مع كون صاحب الثوب يدعي على الصباغ تعديا قد يوجب عليه غرامة قيمة الثوب، والأصل براءة ذمته، فلم يقبل قول صاحب الثوب في دعواه دينا في ذمة المشتري كما لم تقبل دعواه، على الرواية المشهورة، إذا فاتت السلعة ووجب على المشتري غرامة الثمن في إلزام المشتري غرامة ما يدعيه عليه؛ وكما قيل، في الوكيل إذا قال: أمرتني أن أشتري لك تمرا، وقد فعلت. وقال الموكل: بل برا ... إنه لا يصدف الموكل لأنه يدعي إيجاب غرامة على الوكيل، والأصل براءة ذمته، على ما سيرد بيانه في كتاب الوكالات.