وقد أشار بعض أشياخي إلى أن هذا التخيير بين هذه الوجوه الثلاثة هو مذهب ابن القاسم. وأشار غيره إلى أن ذلك إنما يستقيم على مذهب أشهب الذي قدمناه عنه. واحتج هذا المتأول بما وقع في العتبيه لابن القاسم فيمن اشترى عبدا به عيب فباعه ثم علم بالعيب وقد حدث عند المشتري عيب اختار أن يغرم البائع منه وهو المشتري الأول قية العيب، أن هذا المشتري الأول إذا غرم للمشتري الآخر قيمة العيب رجع هذا الأوسط على الأول بقيمة العيب.
فلم يلتفت إلى ما كان بين الأوسط والآخر. وهو أيضا لا يعتبر تغير الأسواق في
مثل هذا إذا قام المشتري بالعيب بعد أن باع وهو لم يعلم به. ألا تراه يقول، فيمن اشترى عبدا به عيب لم يعلم به فقتل العبد في يديه فأخذ من القاتل قيمة العبد، فإنه يرجع بقيمة العيب على من باع. ولم يلتفت إلى القيمة المأخوذة في القتل، هل مثل الثمن فأكثر، فلا يكون له مطالبة بقيمة العيب لحصول الثمن الذي دفعه في يديه موفرا. خلافا لأشهب الذاهب في هذا إلى أن القيمة المأخوذة عن القتل إذا كانت مثل الثمن فأكثر، فلا رجوع للمشتري بقيمة العيب، طردا لأصله الذي قدمناه عنه.
وبعض أشياخي الذي حمل ما ذكره ابن المواز من التخيير بين الثلاثة أوجه يعد ما قاله ابن القاسم في مسألة القتل كالمناقض لما ذكره ابن المواز من التخيير في الأوجه الثلاثة. وقد يؤكد في نفسه ما تأوله على ابن المواز من أنه ساق ما ذكره من التخيير عن ابن القاسم كونه يذهب فيمن باع ولم يعلم بالعيب إلى مذهب ابن القاسم في أن المشتري لا مقال له لما قدمناه من التعليل. وقد نقل ها هنا أن ابن القاسم إنما يذهب إلى سقوط مقال المشتري إذا لم ينله ضرر من جهة هذا العيب. فإذا ناله الضرر بأن خوصم فيه وحوكم وأغرمه المشتري منه قيمة هذا العيب، فقد انتقض في هذا الجزء المبيع لما أخذت قيمته فيما بين المشتري الأول والثاني. فكذلك انتقض البيع في هذا الجزء وفيما بين المشتري الأول والبائع الأول الذي (1) منه، فيرجع بالقيمة على حسب ما ذكره في العتبية كما قدمناه عنه. أو يعود الأمر إلى التخيير لأجل ما ذكرناه من التعليل لكل وجه من الأوجه الثلاثة المخير فيها.
وذكرت عن بعض أشياخي أنه ناقض ابن القاسم في مسألة القتل بما ذكره ابن المواز من التخيير بين الأوجه الثلاثة. وأن مقتضى التخيير فيها أن المشتري إذا حصل في يديه مثل الثمن فأكثر، فلا مقال له.
وكنت قدمت عن الشافعية اختلافا في تعليل ما ذهبوا إليه من كون
المشتري إذا باع فلم يعلم بالعيب، فإنه لا مقال له، أن منهم من قال: العلة في ذلك كون المشتري استدرك الظلامة. وأشار بهذا إلى ما بسطه ابن القاسم من التعليل من كون المشتري لم يبخس لأجل العيب. ومنهم من علل بأنه لم يويس من رد المبيع المعيب، فإذا أمكن رده على المشتري الذي باعه، لم يمكن الآن من القيام بالعيب. بخلاف عتق المشتري للعبد المعيب لأن العتق يقتضي الإياس من الرد. فقد يقال أيضا على هذا التعليل: إن القتل يقتضي الإياس من الرد بخلاف الطلب بقيمة العيب والعبد قائم لم يفت. وعلى هذا الأسلوب من التعليل يجري الأمر في هذا المشتري إذا باع وهو عالم بالعيب معتقدا أنه حدث عنده، ثم علم أنه كان عند البائع، فإن له مطالبة الذي باع منه بقيمة العيب من الثمن الذي دفعه أو إكمال الثمن. وسقط الوجه الثالث لكونه لم يغرم لمن يشتري منه شيئا إذا باع وبين العيب.
وكذلك إن وكل وكيلا على البيع فباع الوكيل وبين العيب معتقدا أن الذي وكله حدث العيب عنده، فإن التخيير الذي ذكرنا ها هنا مأخوذ مما تقدم بيانه.
ولو توجه للمشتري الآخر على المشتري الطلب بقيمة العيب لفوت المبيع في يديه فألفاه مفلسا فأراد أن يرجع بما وجب له على البائع الأول إذا كان هو الأقل (1) من الثلاثة الأوجه التي يجب للمشتري الأول على من باع منه، فقيل يمكن من ذلك. كما يمكن من ذلك لو استحق المبيع من يديه لكون البائع الأول غريما لغريمه، فما وجب له على غريمه كان له أخذه، إذا فقد غريمه، من غريم غريمه. وقيل لا يمكن من ذلك. لأن هذا الوجوب لم يتيقن لإمكان أن يكون المشتري الأول راضيا بالعيب. وهذا يبسط في موضعه إن شاء الله تعالى.