أحدها ما روي عن مالك، رضي الله عنه، من كون المشتري لا مقال له إذا باع. وإلى هذا ذهب ابن القاسم واعتل بأن المشتري إن كان علم بالعيب قبل أن يبيع، فقد رضي به، وإن كان لم يعلم، فإنه لم يحط من أجله من الثمن.
فإذا لم يلحقه ضرر من ناحية العيب في الغبن لأنها خرجت من يده، ولا في الثمن لأنه لم يبخس، لأجل العيب، منه شيء سقط مقاله. وهذا اختيار ابن المواز أيضا. وبه قال الشافعي. واختلف أصحابه في تعليل هذا. فقال بعضهم:
إنما قال هذا لأجل أن المشتري قد استدرك الظلامة. وهذا إشارة إلى ما ذكرناه
من تعليل ابن القاسم من كون المشتري لم يبخس لأجل العيب شيء.
وقال بعضهم: إنما العلة في ذلك كون المشتري لم ييأس من الرد لجواز أن يرجع المبيع إليه فيرده على بائعه.
وروي عن مالك أن المشتري يعتبر ما حصل في يده من الثمن، فإن كان الذي حصل له مثل الثمن الذي دفع فأكثر، فلا مقال له، لأنه لم يبع وقضينا له بالرد، لم يكن له سوى الرجوع بالثمن. والذي يقضى له بالرجوع به قد حصل في يديه. فكأنه رد بالعيب وارتجع الثمن.
وإن كان الثمن الذي باع به أقل مما اشتراه هو به، كان البائع مخيرا بين أن يكمل له الثمن. فإذا أكمله له، سقط مقاله لأجل ما قدمناه. وإن لم يكمله له أعطاه قيمة العيب من الثمن الذي قبض منه, لأنه يقول قد فاتت العين المبيعة المعيبة ولا قدرة لك على ردها، فلا يكون لك إلا قيمة العيب، كما لو ماتت في يدك. وهذا أيضا فيه إشارة مما كنا قلمناه من كون الفوت يقدر في حق البائع خاصة. فإن شاء البائع ها هنا أن يجعل ما باعه المشتري كالفائت أعطى قيمة العيب. وإن شاء أن يجعله كالقائم، أكمل له بقية الثمن. هذا مذهب أشهب، وهو اختيار ابن حبيب.
وقال مالك في مختصر ابن عبد الحكم: يقضي للمشتري بقيمة العيب.
وقدر أن ذلك كالفوت في حقهما جميعا كالحكم في الموت. وهو اختيار محمد ابن عبد الحكم وأضاف ذلك إلى موطإ مالك، فقال: قد قال مالك في موطئه: إذا فات المبيع بشيء من وجوه الفوت. وهذا المذهب هو اختيار أبي محمد عبد الوهاب. فقد ينفصل عن تعليل ابن القاسم بأن المشتري الأول يمكن أن يكون غير البائع، أو حال السوق بزيادة، فرأى المشتري العيب فحط لأجله من الثمن ولم يعلم المشتري الأول أن الذي اشترى منه حط من الثمن شيئا لأجل عيب رآه، ولو كان المبيع سالما لبذل له المشتري أكثر مما عقده عليه من الثمن.
فالضرر لم ينتف عن المشتري. وبهذا أيضا يتعقب مذهب أشهب من اعتباره
حصول الثمن موفرا في يد المشتري الأول، لأنه يقول: إن ما حصل في يدي مثل ما دفعت للبائع لأجل معرفتي بالتجارة وبالأسواق وبزيادتها وجهل الذي باع مني بذلك. فلا يحسب له هذه الزيادة، وسببها لم يكن منه، بل إنما كان مني.
فهذا يقتضي كون البيع فوتا يوجب قيمة العيب. وإذا وضح مأخذ مذهب ابن القاسم وهو كون المشثري الذي باع هذا المبيع لم يلحقه ضرر من جهة العيب، فيقال على هذا التعليل: إنه متى لحقه الضرر، كان له القيام بالعيب، مثل أن يفوت المبيع عند المشتري الثاني فيرجع على المشتري الأول بقيمة العيب، فيصير المشتري الأول قد لحقه الضرر من ناحية العيب، فيكون له أن يطالب البائع بما غرم له, لأنه إذا طالبه بما غرم، ارتفع الضرر عنه. إلا أن يكون قيمة العيب من الثمن الذي اشترى به الأول أقل مقدارا من هذا الذي أخذه المشتري الثاني من المشتري الأول، فيكون من حق البائع أن يغرم له هذا, ولا يلزم أن يعطيه ما غرم هو، لأنه قد يكون حال السوق بزيادة أو غبن المشتري منه.
فكانت قيمة العيب من الثمن الثاني أكثر من قيمة العيب من الثمن الأول. قال ابن المواز إلا أن يكون إكمال الثمن أقل من هذين فلا يلزم البائع إلا إكمال الثمن؛ لأنه إذا أكمله سقط مقال المشتري لأرتفاع الضرر عنه لأجل العيب. وإن الثمن لو عاد إليه كما دفعه، لم يبخسه العيب شيئا. فلهذا قلنا: إن البائع عليه الأقل من ثلاثة أشياء. إما ما غرمه المشتري منه، أو قيمة العيب من الثمن الذي قبض، أو ما بقي على المشتري من خسارة من الذي دفع البائع.