تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وفي التفليس البائع هو المختار لرد هذا البيع وارتجاع الأمة، فلا يحاسب المشتري بما أخذ في ولدها.

وهذا الفرق كما تراه لا يروح (1) ما أشرنا إليه من المناقضة الذي يقتضيها الولد بأن الولد غلة.

وأشير أيضا إلى فرق آخر وهو أن الأصل في التفليس ألا يرد البائع ما عقده على نفسه من البيع. لكن أوجب الخروج عن هذا الأصل ورود الحديث بذلك، وهو قوله - صلى الله عليه وسلم - (من أدرك ماله بعينه فهو أحق به) (2) الحديث المشهور.

فلعل استحقاق البائع رد المبيع في التفليس يكون ما باعه باقيا بعينه. والولد إذا بيع فليس هو عين ما باعه البائع. ولو قرر أنه كعضو من أمه. فهذا العضو ليس ما نصا (3) ولا موجود، فبقي حكمه على مقتضى الأصل، لكون الحديث الناقل عن هذا ليس دليل الخطاب فيه إلا أن للبائع حقا إذا لم يكن ما باع موجودا، ورد الولد إذا بيعت أمه أو رد ثمنه، لم يرد حديث يمنع من رد ثمن الولد. فلما وجب عين رد الولد (3)، وجب رد ثمنه.

وأشير أيضا إلى فرق آخر وهو أن البائع ليس له في التفليس أن يحاص

بثمن الأم وثمن الولد إذا اختار الحصاص, لأنه ليس له إلا ثمن واحد وهو ثمن الأمة. فلما لم يكن له إذا اختار الحصاص المحاصة بثمنه، فكذلك لا يكون له إذا اختار ترك الحصى وجعل (1) ما عقد من البيع أن يطالب بثمن الولد.

هذه الفروق التي يمكن أن يقال في هذا. ولكن التحقيق يقتضي إذا قيل: إن الولد غلة، أن يكون الحكم ألا يرد الولد في عيب ولا تدليس، وإن كان قائما بعينه، فأحرى ألا يرد ثمنه. وإن قيل: إنه ليس بغلة، بل كعضو منها، أن يكون يرد الولد في الجميع، وإذا وجب رد عينه، وجب رد ثمنه.

ويتضح وجوب الثمن في الرد بالعيب وفي التفليس قد يقال فيه ما أشرنا إليه من الفروق، وجميعها لا يكاد يسلم من مناقضة وممانعة فلما كان ما ذكرناه عن كتاب ابن المواز من أوضح ما يتعلق به الشيخ أبو القاسم السيوري لذكره أن الولد غلة، دعا هذا بعض أشياخي إلى أن قال: لم يرد أنه غلة على الحقيقة في سائر أحكام الغلة، ولكنه أراد أن الأمة إذا ردها في التفليس بعينها قدر كأن الولد لم يكن لما رجعت بعينها على كمالها، كما لو أصابتها موضحة فأخذ أرش الموضحة وردها على بائعها ولم تشنها الموضحة، ولا نقصتها، فإنه لا يرد ما أخذ من أرش الموضحة لما رد عين المبيع سالمة. ومقتضى هذا الذي قال شيخنا من التعليل ألا يرد الولد، وإن كان باقيا، لكونه إذا رد أمه دونه فقد ردها على الكمال، فلا يجب رد الولد، وهو قد جعل قولهم: إن الولد يرد، فغير ماح أن يستقر من هذا الذي قالوه في ثمن الولد كون الولد غلة.

فإذا تقرر هذا، فإن هذا الولد إذا كان قائما هو وأمه لم ينص على خلاف في المذهب في أنه يرد مع أمه، إلا ما أشرنا إلى ما خرجه الشيخ أبوالقاسم السيوري. وقد أشار غيره إلى تخريجه مما رواه عبد الرحمان ابن دينار عن ابن كنانة فيمن اشترى أمة حاملا فولدت فأخذ ولدها، أنه إذا لم يختر أخذ قيمة العيب واختار ردها، أنه يرد معها ما نقص من ثمنها لأجل ما كان يرجى من

ولادتها. فلم يعتبر كون الولد كعضو منها استحق البائع عليه رده بعينه، فإذا أتلفه، كانت عليه قيمته، بل راعى ما يكون من النقص من ناحية ما يرجو من ولادتها. وأشار أيضا إلى إجرائه على الخلاف في السمن، وقد تقدم ذكرنا الخلاف فيه لما كان السمن غير متفصل من الأمة، والولد كأنه غير منفصل منها لما لم تجز التفرقة بينهما.

وهذا الولد لو مات وبقيت أمه، لكان الحكم تخيير المشتري في رد أمه وما نقصها النكاح، أو التمسك وأخذ قيمة العيب، ويقدر الولد كأنه لم يخلق.

وهذا أيضا قد يقال فيه إذا قدرتموه كعضو من أعضائها وجزء منها, ولهذا أوجبتم رده بعينه على البائع. فإذا مات وهو في يد المشتري، اقتضى ذلك أيضا أن يرد قيمته كما يرد قيمة يدها لو شلت عنده. قيل: اليد إذا شلت عنده، وجب رد قيمتها إذا اختار الرد لأن لها حصة من أصل الثمن. فلو ماتت الأم خاصة وبقي الولد وحده، فالظاهر أن المذهب على قولين: مذهب ابن القاسم أن الواجب قيمة العيب، ومذهب أشهب أن البائع مخير بين أن يعطي قيمة العيب أو يمنع من ذلك، ويخير المشتري بين أن يتمسك بالولد ولا يسترد من الثمن شيئا، أو يرد عليه الولد ويرد البائع جميع الثمن.

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٢٧٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ٢٧٥