وقد اعتذر بعض أشياخي عن هذه الرواية بأنه إنما راعى نفي الضرر. فإذا رجع إلى البائع مثل ما دفع من غير خسارة عليه، لم يكن له مقال. فإذا لحقته خسارة، كان له مقال. كما قيل فيمن باع عبدا ثم اطلع على عيب قديم وقد أخذ في العبد مثل الثمن الذي يرجع به على البائع لو رد عليه بالعيب: أنه لا مقال له.
وهذا الإعتذار يلزمه على مقتضاه أن يجبر عيب النكاح بنماء الجارية في بدنها حتى يكون هذا النماء يزيد في قيمتها ما يجبر به عيب النكاح، لكون الضرر أيضا قد ارتفع على حسب ما ارتفع بجبران الولد قيمة عيبها.
والذي يظهر لي من الاعتذار طريقة أخرى، لولا أنه وقع أيضا في الرواية ما يعارضها. وذلك أن الولد إذا أخذه البائع، وهو زيادة على ما كان باعه، فإن هذه الزيادة لولا هذا النقص الذي هو عيب النكاح لم يحصل البائع (1). فمن البعيد أن يأخذ زيادة ويرضى بها ويقدر أنها لم تكن إلا على ملكه ثم يطلب عوض جنايتها وما كان سببا في وجودها، فإن هذا كالمتناقض. وهذا عذر واضح. ولكن مقتضاه ألا يجبر الولد عيبا آخر حدث بالمشتري ليس هو عيب النكاح. وقد وقع في الموازية أنه يجبر به عيبا آخر حدث عنده ليس هو عيب النكاح. فإن لم نقل بهذا الذي ذكر ابن المواز كان اعتذارا عما وقع في هذه الرواية اعتذارا صحيحا.
وهذا الذي ذكره من العذر يكون انفصالا عما احتج به أشهب على ابن القاسم من مباينته الولد على النماء كجزء من جسمها حسا وحقيقة، فهو كأحد أعضائها, ولم يكن من أمر طلب البائع أن يعطي عوضه. وهذا الذي ناقض به أشهب ابن القاسم قد وقع في رواية أيضا التزامه. وذكر في كتاب الوديعة من المدونة أن ابن القاسم روى عن مالك أنه يجبر عيب النكاح بزيادة قيمتها.
وحملوا ذلك على أن المراد زيادة قيمتها من ناحية نماء بدنها. وهكذا رواه ابن شعبان في مختصره عن مالك. ولا يلزم على هذا المذهب أن يجبر عيب النكاح بزيادة سوقها من ناحية انتقال الأسعار لا من ناحية نماء البدن, لأن التقويم إنما يكون في العيوب أخذا لقيمتها أو ردا معتبرا يوم الصفقة، وما كانت تساوي حينئذ يوم العقد، فلا معنى لاعتبار زيادة السوق بعد ذلك في جبران عيب النكاح.
وإذا قلت بمذهب ابن القاسم في جبران عيب النكاح بقيمة الولد، فإن صفة هذا الجبر أن يقال: ما قيمة هذه الأمة يوم الصفقة وهي سالمة؟ فيقال: مائة دينار. ثم يقال: ما قيمتها بعيب التدليس؟ فيقال: ثمانون. ثم يقال: ما قيمتها بعيب التدليس وعيب النكاح على أن معها ولدها. فإن قيل: ثمانون، فقد علمنا أن النكاح لم يؤثر نقصا لأجل الولد. وإن قيل: قيمتها سبعون، فقد علمنا أنه أثر نقصا، فيطالب بمقدار هذا النقص الذي كان عن النكاح بنسبته من الثمن على حسب ما يأتي بيانه في تقويم العيوب إن شاء الله تعالى.
ولما ذكرنا عن الشيخ أبي القاسم السيوري ما انفرد به عن أهل المذهب من كون الولد غلة عنده. وذكرنا تعلقه بما وقع في هذه المسألة، فلنذكر تعلقه بما وقع في مسألة أخرى. وذلك أنه ذكر ابن المواز عن مالك أنه إذا باع أمة فأزوجها المشتري فولدت عنده فباع الولد، أن البائع، إذ فلس هذا المشتري، فأراد ارتجاع ما باع (1)، فإنه يأخذ الأمة ولا مطالبة له بما أخذ المشتري في ثمن
ولدها. قال: لأن الولد غلة، بخلاف أن يرد الأمة بعيب وقد باع ولدها، فإنه يرد ما أخذ من ثمن ولدها. فأنت تراه كيف نص ها هنا على أن الولد غلة، ولكنه لم يطرد هذا في رد الأمة بعيب. وكان مقتضى هذا الذي قال أيضا ألا يرد أيضا ثمن الولد إذا باعه ورد أمه بعيب.
وقد حاول بعض المتأخرين اعتذارا عن هذا بأن من مكن من الرد بالعيب فإنه له أخذ جميع الثمن. فإذا كان قادرا على أن يرد هذه الأمة ويأخذ جميع الثمن، فإنه يحاسب بما أخذ من ثمن الولد، لأن هذا الرد والنقص باختياره.