وهذا كله اختلاف في شهادة بعادة. والمعتبر ما قدمناه من ذهاب المقصود بالمبيع أو بقائه.
والجواب عن السؤال الخامس أن يقال: إذا اشترى أمة فأزوجها، ثم اطلع على عيب قديم، قد تقدم كلامنا على العيب من ناحية نقص النكاح، وأشرنا إلى ماوقع من الإضطراب عليه، وأن بعض المتأخرين أشار إلى إسقاط الغرامة عن المشتري لأجل عيب النكاح؛ لأنه رآه كعيب من ناحية الأخلاق. وقد قدمنا عن ابن حبيب أنه لا يرى ما حدث من عيب من ناحية الخلق، لا من ناحية الخلق، يوجب على المتشري غرامة.
ويتعلق هذا التأويل بما وقع في المستخرجة من رواية ابن القاسم فيمن أزوج أمة فولدت ثم اطلع على عيب قديم، أن له أن يرد ولا شيء عليه، أو يمسك ولا شيء له. وقلنا نحن: يحتمل أن يكون مراد ابن القاسم أن الوالد يجبر عيب النكاح. ألا ترى أنه قد وقع لمالك في المدونة أن المشتري بالخيار بين أن يمسك ويأخذ قيمة العيب، أو يرد ويرد ما نقص. ولكن هذا الذي وقع في المدنية أن الأمة ولدت. وأجاب عن ذلك على مقتضى الأصل. وحاول بعض الأشياخ تخريج قول على النقيض من هذا، وقال: إنما لم يجعل في المدونة إنكاح الأمة فوتا يوجب أخذ قيمة العيب ويمنع من الرد مع ما نقص بناء على
قوله إن العمى والشلل والقطع ليس بفوت يمنع من الرد. وقد ذكرنا عن ابن مسلمة أنه يرى ذلك فوتا يمنع من الرد ويوجب أخذ قيمة العيب. وينبغي أن يكون إنكاح الأمة كذلك لأنه يتلف المقصود منها, لا سيما إن كانت سرية, لأن الغرض من السرية وطؤها، وقد امتنع لسبب التزويج. وإن كانت من الوخش فتردد الزوج إلى دار سيدها يقتضي التمكين من وطئها مما يعظم الضرر فيه، فوجب أن يكون ذلك فوتا.
فأنت ترى كيف بالغ بعضهم في تحقيره حتى لم يجعل له تاثيرا، وبالغ بعضهم في تعظيمه حتى جعله فوتا يمنع من الرد.
فإذا تقرر هذا وثبت أن المشهور من المذهب تمكين المشتري من رد الأمة وما نقص منها عيب النكاح، فإنها إن كانت ولدت من هذا النكاح فردها على سيدها بالعيب القديم فإنه لا يمكن البائع الذي ردت عليه من فسخ هذا النكاح لكونه عقد بوجه جائز. ولكنه في المدونة اعتبر قيمة الولد، هل في قيمته ما يجبر به عيب النكاح؟ فيرتفع هذا العيب ويكون المشتري بالخيار بين أن يردها بالعيب القديم ولا شيء عليه، أو يمسك ولا شيء له، كما لو لم يحدث عنده عيب. وذكر سحنون في المدونة أن غيره لا يجبر عيب النكاح بقيمة الولد، كما لا يجبره بالنماء الحادث فيها. وقد اشتهر عن الشيخ أبي القاسم السيوري أنه كان يذهب إلى أن الولد غلة، كاللبن والصوف. وإذا كان كذلك كان الولد للمشتري. ويعتضد بهذا الذي وقع في المدونة من قوله إن المشتري يجبر به عيب النكاح. فلولا أنه له كما تكون الغلات ما جبر به ما لزمه من عيب النكاح، وأداه في غرامة وجبت للبائع عليه. وهذا الذي يشير إليه مما يصعب الانفصال عنه من ناحية الفقه. لكن من ناحية ما يؤدي إليه من تناقض في الرواية يسهل الانفصال عنه. وذلك أنه في هذه الرواية أوجب رد الولد وجبر به عيب النكاح.
وعيب النكاح إنما يلزم فيه قيمة، ولا يلزم فيه أن يدفع المشتري عرضا بغير اختياره. ولا يلزم البائع أيضا قبول عرض عن دنانير وجبت له على المشتري إلا باختياره. وها هنا جعل الحكم رد عين الولد، وهذا يقتضي أنه أنزل الولد
منزلة بعض أعضائها، فلهذا أوجب رده معها. وبعض أعضائها لا يكون غلة، ألا ترى أن ولد المدبرة مدبر والمعتقة معتق والمكاتبة مكاتب وولد الأمة عبد وإن كان أبوه حرا. وهذا يقتضي أن يكون حكمه حكم أحد أعضائها. وأيضا فإنه أوجب رد الولد وإن كانت قيمته أضعاف ما لزم المشتري من قيمة عيب النكاح. فلو كان الولد للمشتري كما تكون الغلة له، لم يخرج من يده ما فضل من قيمة عيب النكاح.