وأما الوجه الرابع وهو بيان زمن الفسخ إذا تحالفا، فإنه اختلف فيه عندنا: هل يقع الفسخ بنفس التحالف، كما ذهب إليه سحنون، أو لا يقع إلا بحكم، لقول ابن القاسم: إذا تحالفالأولم يحكم بالفسخ فللمشتري قبولها بما ادعاه البائع. وبعض أشياخي يحكي قولا ثالثا وهو وقوع الفسخ بتراضيهما عليه.
وفائدة هذا الاختلاف تمكين أحد المتبايعين من الرجوع إلى تصديق صاحبه، وإلزامه موجب ما ادعاه. فإذا قيل: إن الفسخ يقع بنفس التحالف لم يكن للمشتري أن يقبل السلعة بما قال البائع، ولا للبائع أن يلزم المشتري السلعة بما قال المشتري. وإن قلنا: إن الفسخ لا يقع إلا بحكم، كان للبائع أن يرجع إلى تصديق المشتري، وللمشتري أن يرجع إلى تصديق البائع ما لم يقع الحكم بالفسخ، أو يتراضيا به على القول الثالث الذي أشار إليه بعض أشياخي. وقد أشار بعض المتأخرين في مقتضى ظاهر كلامه على هذه المسألة التي أبقى كل رواية على ظاهرها، فقال: إذا تحالفا كان للمشتري أن يقبل بما قال البائع قبل وقوع الحكم على مذهب ابن القاسم. وأشار إلى أن المشتري إنما كان له ذلك لقوة جنبته، ولظاهر الخبر الذي نذكره.
وحكى عن محمد بن عبد الحكم أنه يقول: للبائع بعد التحالف أن يرجع إلى تصديق المشتري، على حسب ما حكاه عنه الشيخ أبو محمد بن أبي زيد في نوادره، وأشار إلى أن البائع كان له الخيار، قبل أن يحلف، في إلزام المشتري البيع بما ادعاه، فلا يسقط هذا الخيار الثابت له بتحالفهما.
والذي عليه الحذاق من أصحابنا وأصحاب الشافعي أن هذه الفائدة التي أشرنا إليها تطرد في البائع والمشتري. فإن قلنا: إن الفسخ يقع بنفس التحالف كان ذلك في حق البائع والمشتري، وإن قلنا: لا يقع حتى يقع بحكم الحاكم به، كان ذلك في حق البائع والمشتري أيضا، ووجه هذا: أن الاختلاف للتنازع في ظاهر الخبر وطرق العبرة فأما الخبر فإنه قال عليه السلام: "إذا اختلف المتبايعان ولا بينة لكل واحد منهما والسلعة قائمة تحالفا وترادا" (1) فأمر بالترادد، وأمره بذلك يقتضي الوجوب، والرد هو النقض للعقد، فلولا أنه منتقض بنفس التحالف لما أوجب النقض. ويجيب الآخرون عن هذا بأن المراد به أنهما يستأنفان بعد التحالف والفسخ رد السلعة ورد الثمن، ويستدلون على ما
يقولون بالرواية الأخرى: "إذا اختلف المتبايعان تحالفا وللمبتاع الخيار" (1) فقد جعل المشتري بالخيار بعد التحالف. وهكذا نص الشافعي فقال: "إذا تحالفا فللمبتاع أن يقبل بما قال البائع. ولعل هذا الذي (2) عن بعض المتأخرين الذي أشرنا به حتى قال ما ظاهره يقع الفسخ بعد التحالف على البائع دون المشتري.
وبعض أصحاب الشافعي يذهب إلى أنه لا يقع الفسخ إلا بحكم؛ لأن المسألة مسألة اجتهاد فتفتقر إلى حكم، كالطلاق بالعنة، وعدم النفقة. وبعضهم يرى أنه يقع الفسخ بعد التحالف بفسخ أحدهما، كابرد بالعيب؛ لأن هذا العقد دخل فيه نقض، لكون البائع ممنوعا من الثمن، وكون المشتري ممنوعا من البيع، فصار ذلك كالعيب الموجود فيما حصل في يد كل واحد من المتبايعين، (والعيب إذا وقع على صفة ما ذكرناه بل يكتفي في نقض بالبيع بفسخ من يده السلعة المعينة) (3). ومن ذهب من أصحابنا إلى وقوع الفسخ بنفس التحالف قاس على اللعان الذي يقع بنفس تلاعن الزوجين، وهو أيمان كهذه الإيمان الواقعة بين المتبايعين. ويحتج أيضا بأن البائع لما حلف فقد حقق صدقه بيمينه، فكذلك المشتري حقق صدقه بيمينه، فصار من (4) الثمن مجهولأوجهالة الثمن توجب فسخ البيع.
وهذا الاستدلال لا يصح لأن كل واحد منهما لو أقام البينة على صحة ما يدعيه لتحقق صدقه بما يقيم من البينة، ثم مع هذا لا تكون إقامة البينة المقتضية صدقه توجب جهل الثمن المقتضي فسخ البيع، وهذا واضح. وكان شيخي أبو محمد عبد الحميد رحمه الله يشير إلى رفع الخلاف الواقع عندنا ويقول: لو قام (5)