وأما لو اشترى الثوبين جميعا بالخيار فيهما، فإن الحكم فيه ما قدمناه من كون ذهاب أيام الخيار وما قرب منها يقتضي إقرار الثوبين في يد من هما في يديه من بائع أو مشتر، لما قدمناه من التعليل. والتعليل الذي قدمناه يبين لك وجه التفصيل الذي فضلناه في هذه الأقسام.
وأما القسم الآخر من أقسام العقد على أحد ثوبين، فإنه يعلم حكمه مما قدمناه، من أن يشتري ثوبا من أحد ثوبين على الالتزام لعقده، والثوب الآخر هو مخير في قبوله أو رده. فإنهما إن ضاعا أو ضاع أحدهما ضمن ما ضاع بغير خلاف. وإن قامت البينة جرى ذلك على ما قدمناه من الاختلاف وإن ضاع أحدهما، جرى الأمر أيضا فيه على حسب ما قدمناه. ويعتبر أيضا في إمساكه للثوب الباقي ما قدمناه أيضا من منعه من ذلك لئلا يكون اشترى ثوبا ونصفا ولم يعقد على ذلك، فجميع ما قدمناه يجري في هذا القسم إذا قامت البينة على الضياع.
وقد ذكر في المدونة فيمن اشترى عبدين بثمن إلى أجل على أنه يرد أحدهما عند الأجل، أن ذلك جائز. وهذا جار على ما قدمناه من جواز اشتراء أحد الثوبين على الإلزام. فكذلك هذا اشترى أحد العبدين شراء منعقدا لازما والآخر يستخدمه إلى الأجل، فكأن الثمن المؤجل عوض أحد العبدين وعوض منفعة العبد الآخر. والتخيير في هذا لا يمنع صحة العقد، كما لم يمنعه فيما قدمناه من الأقسام. لكن من شرط جواز هذا البيع أن يعين المردود عند الأجل قبل الشروع في الاستخدام.
وعلى ذلك جملوا ما وقع في المدونة من إطلاق الجواز.
وهذا التأويل تقتضيه الأصول لأن الأصل منع بيع الغرر إذا كان الغرر مقصودا. فإذا عقد على عبد من أحد عبدين أو ثوب من أحد ثوبين، فإن التخيير في ذلك لا يتضمن غررا في هذا العقد، لأنا إنما نجيز هذا إذا تماثل الشيئان المخير في أحدهما. وقد سامح في ذلك مالك، وإن اختلفت قيمة الثوبين، فقال فيمن اشترى عددا من ثياب في - عدل يختارها، إن ذلك جائز، إذا وصف ما في العدل من الثياب، وإن اختلفت قيمة الثياب. قال: ولكن بعد أن تكون مروية كلها أو هروبة كلها. فأشار بهذا أن اختلاف أجناسها يتضمن غررا مقصودا، فينهى عنه لما ورد في الحديث من النهي عن بيعتين في بيعة (1).
فكذلك ما ذكره في مسئلة العبدين، وتأولنا ما وقع في المدونة عليها, لأنه إذا لم يعين العبد المردود عند الأجل، واستخدم العبدين طول الأجل، فإنه لا يعلم كيفية تأثير الإستخدام في كل واحد منهما, ولا ما يحدث عليه من التغير في خلال الأجل، فيصير المستمسك به مجهولا صفته، والمردود أيضا كذلك، وهذا غرر يمنع منه، ويقتضي أن يشترط في جواز هذا العقد أن يعين قبل الشروع في الاستخدام من يستخدمه بحق الملك ومن يستخدمه بحق الإجارة.
وإن لم يفعل ذلك ووقع العقد عاريا من التعيين، واستخدمهما ملكا في خلال الأجل، فإنه يضمن نصف قيمتهما، لكون أحدهما بيع بيعا فاسدا والآخر استؤجر إجارة فاسدة ولم يعلم هذا من هذا، فيضمن نصف قيمتهما جميعا، لكون كل واحد منهما يصلح أن يكون محلا في هذا العقد الفاسد.
والجواب عن السؤال الخامس عشر أن يقال: أما الوجوه التي تمنع في اشتراط التخيير في التعيين، فإنا قدمنا الكلام على بعضها. وهو شراء صنف من صنفين مختلفين على إلزام البائع ما اختار المشتري منها. وذلك لما قدمناه من كون العقد على هذا يتضمن غررا مقصودا.
ومنه ما فرغنا الآن من الكلام عليه في مسئلة العبدين المذكورة في المدونة.
ومن الوجوه الممنوعة أيضا التخوف من الوقوع في الربا، مثل أن يشتري رجل ثمرة نخلات يختارها من ثمر نخل كثير، لكن ثمر النخل كله صنف واحد, لأنه إذا كان من صنفين صار من بيعتين في بيعة، ولحق بما تقدم بيانه.
وإذا كان من صنف واحد منع أيضا لعلة أخرى، وهو أن المشتري يمكن أن يختار نخلة، ثم ينتقل بعد اختياره لها إلى نخلة أخرى، وثمرة النخلتين لا يتساويان في المقدار، فيكون قد باع ثمرة الأولى بثمرة الثانية وبينهما تفاضل، فيقع في الربا والربا محرم. ولو كان الخيار لبائع ثمرات هذا النخيل لكان فيه اختلاف. فأما مالك فإنه أجازه، قال: كما يجوز ذلك في اختيار كباش من جملة غنم باعها. وقال ابن القاسم: لا يعجبني ذلك، ولكنه إن وقع لم أفسخه.