وقد ذكر ابن المواز أنه يلزمه العقد في العبد الباقي إذا اشتراه على الإلتزام بشرط التخيير بينه وبين آخر. وهذا جار على هذا المسلك الذي ذكرناه في أحد قولي سحنون رحمه الله.
والمشهور من المذهب أن الضائع من أحد الثوبين اللذين التزم شراء أحدهما يكون من المتبايعين، والباقي بينهما على حسب مقتضى حكم الشركة في عبد بين رجلين. وهكذا ذكر ابن المواز وذكر ابن سحنون (أن الضائع منهما لو رد الباقي من الثوبين) (1). وكأنه قدر أن مقتضى الشركة إن اشتركا في الثوب الباقي، لكن الشركة فيه عيب، فلا يلزم المشتري شراء معيب، وقد عقد البيع فيه على السلامة من العيب، فلا يقدر أنه إذا كان مقتضى الالتزام ضمان أحدهما بلا بد، وجهلنا الثوب الملتزم منهما، صار المتعاقدان كشريكين في الثوبين، فما طرأ فيهما من ضياع وعيب، فذلك عليهما.
وقد ذكر ابن حبيب أن هذا التخيير لو كان في ثياب كثيرة فضاع أحدهما، فإنه يضمنه. وضمانه إياه لا يسقط ما اقتضاه الحكم الذي قدمناه، فله أن يختار ثوبا من الثياب الباقية، أو يرده وسائر الثياب. ولو عقد على واحد منها على التزامه، فإنه يضمن الواحد الضائع، ويلزمه اختيار ثوب من الثياب الباقية.
ورأى أن التضمين للثوب الضائع لا يدفع الحكم الذي قدمناه في الثوبين إذا ضاع أحدهما.
وقد احتج في المدونة ابن القاسم، على ما قدمناه عنه من مصيره إلى أنه إنما يضمن أحدهما ولا يضمن الآخر لكونه فيه مؤتمنا، بأن مالكا ذكر فيمن طلب رجلا بدينار له عليه فدفع إليه ثلاثة ليختار واحدا منها ويرد عليه الدينارين، فضاع من الثلاثة ديناران قبل أن يختار، أن الدينارين الضائعين (2) يكون على حكم الشركة بين الدافع والقابض. لأن القابض إنما استحق مما
قبضه ثلثه، وثلثاه عنده بحكم الأمانة.
وغلط ابن حبيب ابن القاسم في هذا الإستدلال بالدينارين على الثياب.
وأشار إلى أن الدينارين يتضح كونهما قبضا على الأمانة، بخلاف الثوبين المخير فيهما.
وأنكر بعض الأشياخ هذه التفرقة عليه لما كان الدينار مخيرا فيه كما كان الثوب مخيرا فيه. فإذا كان التخيير يوجب ضمان الجميع، فلا فرق في هذا بين ثياب أو دنانير. واستعظم إطلاقه الغلط على ابن القاسم.
وذكر ابن حبيب أن الذي ذكره مالك، من كون الدنانير فيها مضمون، ومؤتمن عليه، إنما يتضح إذا كانت من الكثرة بحيث يعلم أن فيها وازنا يأخذه قابضها قضاء عن دينه. فإذا لم يكن كذلك، فإنه يحلف أنه ما علم فيها وازنا ولا يضمن منها شيئا. وذكر أن هكذا قال له من كاشفه من أصحاب مالك.
وقد ذكر في الموازية عن ابن القاسم، فيمن طلب رجلا بعشرة دنانير دينا له عليه، فأعطاه دنانير ليزنها ويستوفي حقه منها ويرد ما زاد على حقه، وإن نقصت عن حقه، عاد إليه ليوفيه، أنها مضمونة، لكونها لا تنفك أن تكون قضاء أو كالرهن بحقه.
وأشار أصبغ إلى حملها على كونها قضاء لما كانت لا ترجع إلى يد صاحبها. وذكر أنه سأل ابن القاسم عن الحالف لرجل ليقضينه حقه إلى أجل سماه، فدفع إليه عند حلول الأجل دنانير على مثل الصفة، أنه يحنث إن لم يدفعها إليه على وجه القضاء.
فإذا تقرر هذا، فإن من في يده الثوبان، اللذان زعم أن أحدهما ضاع، إذا ادعى أنه ما ضاع إلا بعد أن اختار الباقي، فإنه اختلف في هذا، هل يصدق فيه ويكون لا ضمان عليه فيما ضاع لكونه بقي في يديه على حكم الأمانة لما أسقط خياره فيه؟ أو لا يصدق في هذا، ويتهم أنه إنما ادعى ذلك ليسقط الضمان عن نفسه؟
ولو ذهبت أيام الخيار وتباعدت فإنه إذا اشترى أحدهما على الالتزام، اقتضى ذهابها التزام الشركة في الثوبين، وإن اشترى أحدهما على التخيير في عقده وفي تعيينه، بطل العقد وسقط خياره، سواء كان الثوبان في يد البائع أو المشتري في هذين القسمين.