مراعاة منه لمذهب مالك.
وهذا الاختلاف خزج على اختلاف أهل المذهب في المستثنى هل هو مبقى على ملك البائع أو مشترى من المشتري؟
فإذا قلنا: إن المستثنى مبقى، فلا يمنع من هذا في جنبة البائع، لكونه أبقى ما اختار على ملكه، وإنما باع ما (1) بعد ما يختاره، فلا يتصور في هذا الربا.
وإن قلنا: إن المستثنى مشترى من المشتري، فيمنع كما قال ابن القاسم.
كما اتفق هو ومالك على منع شراء ثمر نخلات يختارها.
وقد وقع لابن القاسم ما يقتضي خلاف هذا الذي بنينا عليه هذه المسئلة، وذلك أنه قال فيمن باع دارا واستثنى سكناها سنة فانهدمت الدار، فإن البائع لا يرجع على المشتري بقيمة السكنى لكونه أبقاها على ملكه لم يبعها، وما كان على ملكه فلا يضمنه له غيره. وإن كان أصبغ قد قال في هذه المسئلة: إن البائع يرجع على المشتري بقيمة السكنى. وقدر أن البائع باع الدار بمائة دينار مثلا وبسكناها سنة، والسكنى تساوي عشرة دنانير، فكأنها عرض أضافه إلى الثمن، واستحق من يديه، فيرجع بقيمته على من باع منه داره، على حسب ما توجبه
النسبة في هذه السكنى من جملة الثمن.
وقد أشار بعض المتأخرين إلى أنه لا فرق بين البائع والمشتري في هذا لكون البائع يقدر فيه أيضا أنه اختار ثمرة نخلة، ثم انتقل إلى خيار ثمرة أخرى، فيكون أيضا باع تمرا بتمر متفاضلا. ومال إلى أن هذا ينبغي أن يوكل إلى أمانة البائع والمشتري، وينهيان عن الوقوع في هذا، ويصدقان في أنهما لم يقعا فيه.
وأشار بعض المتأخرين إلى فرق بينهما، وهو أن المشتري تصور تنقله يمكن لكونه جاهلا بثمرات هذا النخل، فلهذا اتفق على منعه من هذا، وأما البائع ثمرات نخله، فيقصد إلى جيدها فيختار، ولا يتهم في التنقل لاستغنائه عنه. وقدح في هذا الفرق غيره بأن قال: لو كان عالما بهذا لاستثناه معينا, ولم يفتقر إلى اشتراط خيار فيه، فلما اشترطه دل على أنه محتاج إلى الاختيار والاختبار، كما يحتاج إليه المشتري.
وبالجملة فإن هذه الطرائق، من الفروق وغيرها التي ذكرنا في هذه المسئلة، إنما يحسن إيرادها إذا قيل: إن اختيار البائع أو المشتري لنخلة بخواطر القلب دون نطق اللسان بذلك يصيرها ملكا له، ويحرم عليه التنقل، كما يحرم عليه التنقل وقد نطق باختيار صبرة إلى صبرة أو ثمرة إلى ثمرة أخرى.
وأما إذا قيل: إن الشرع إنما علق أحكام الملك على ما ينطق به اللسان دون ما يضمر في الفؤاد أو يهجس في النفس، فإنه لا يحتاج عندي إلى شيء من هذه المعاني، وإنما التحقيق فيها النظر في هذا الأصل الذي أشرف إليه. ثم إذا ثبت تعلق الأحكام بما تتحدث به النفس في هذا دون ما نطق به نظر حينئذ هل تحمى الذريعة في هذا فيمنع منه، ولا يوكل الناس إلى أمانتهم فيه، كما قدمناه في بياعات الآجال؟ أو لا توجب حماية في مثل هذا المبني التحريم فيه على ما يضمر في الفؤاد؟
ولو كان هذا الثمن أو غيره، من أنواع الأطعمة المخير فيها، مما لا ربا فيه، وهو صنف واحد متساو مما يجوز اشتراط التخيير فيه، أو كان عروضا،
فإن هذا يسقط فيه اعتبار الربا. وإنما يعتبر فيه ألا يقع فيه تراخ, لأنه إذا وقع فيه تراخ، أو وقع (1) في بيع الطعام بالطعام على خيار وتراخ، فلا يجوز ذلك كما لا يجوز ذلك في الصرف. ولو كان هذا الطعام لا ربا فيه، صنفين لمنع التخيير، لما قدمناه من كونه من بيعتين في بيعة. وقد ذكر في الحاوي أنه لا يجوز التخيير في الطعام. وتأوله الشيخ أبو القاسم ابن الكاتب على ما وقع فيه تراخ، لأجل ما نبهنا عليه من اشتراط المناجزة في هذا وفي الصرف.
ولو كان المختار من هذا الطعام، الذي فيه الربا أو لا ربا فيه، بيع على الكيل لم يكن في التنقل بيع له قبل قبضه، وإن كان على الكيل، لكون هذا كالمبادلة. وقد قدمنا في كلامنا على بيع الطعام قبل قبضه ما يجوز في ذلك وما يمنع، وأن أخذ سمراء من محمولة كيلا متساويا جائز، لكونه مبادلة لا مبايعة.