تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يمين البائع والمشتري، هل يطلب من كل واحد منهما يمين على النفي إذا نكلا عنها جميعا طلب من كل واحد منهما يمين على الإثبات، على حسب ما بيناه فيما تقدم. فعلى هذه الطريقة يصح ما قاله أبو الوليد الباجي، ولكن تكون صورة اليمين الأولى أن يحلف كل واحد فنهما على النفي فإذا تناكلا استحلفا بعد ذلك على الإثبات، على حسب بيناه فيما تقدم. وما أحد من أهل المذهب يقول ها هنا بتكرير اليمين على البائع، وقد قدمنا أن البائع إنما أضاف إلى يمين النفي يمين الإثبات لأجل ما يتوقعه من الضرر بتكرير اليمين إذا نكل المشتري.

فإذا كانت العلة عند أهل المذهب في استحلافه على الإثبات قبل نكول المدعى عليه رفع الضرر عنه بتكرير اليمين عليه من الحرص على تقليل الأيمان ما أمكن، كانت هذه العلة تنقض على أبي الوليد قوله؛ لأنه إذا طلبه باليمين بعد تناكلهما جميعا صار تكرير اليمين على الإثبات بعد أن قدمها مخافة ألا يتكرر عليه، وهذا كالمناقض، وإن ما لاح لأبي الوليد ما قدمناه من كون هذه اليمين مترقب ارتفاعها فلا توجب غرامة لو أوقعت فأحرى أن لا توجب غرامة إذا لي توقع ونكل عنها. وقد بينا عزو أهل المذهب في تقدمتهم هذه اليمين، وأن العلة عندهم خوف التكرار، وأن الحالف لما وجب أن يقدم في يمين النفي أسند إليه يمين الإثبات فصار ذلك كجزء من يمين النفي وصار بمعنى واحد. وإذا كانت يمين النفي تفيده البراءة، وهذه اليمين التي أسندت إليها تفيده الإثبات، واستحقاق الطلب بحكم إسنادها إلى يمين النفي، وجب أن يجري مجرى الأيمان التي لو أوقعت لم يقدر على رفعها بيمين أخرى.

وهذا الذي قلناه في رد ما ذهب إليه أبو الوليد الباجي واضح لمن تأمله.

وقد قدمنا أن مراعاة الأشبه مع قيام السلعة فيه الاختلاف الذي ذكرناه. وأما مع فوتها فإنه لا خلاف فيه عندنا أنه يراعى دعوى الأشبه، فإذا فاتت السلعة في يد المشتري صدق في مقدار الثمن إن ادعى ما يشبه، فإن ادعى ما لا يشبه صدق البائع في مبلغ الثمن الذي ادعى، إن ادعى أيضا ما يشبه. فإن ادعيا جميعا، البائع والمشتري، ما لا يشبه، تحالفا وقضي على المشتري بالقيمة، وتكون

القيمة بدلا من العين يجب ردها إذا كانت قائمة وادعيا ما لا يشبه، وقد تحالفا وتناكلا. ولو ادعيا جميعا ما لا يشبه، مع فوت السلعة، ونكل أحدهما عن اليمين ولم ينكل الآخر، يقضى للحالف منهما بما ادعاه وإن كان ذلك مما لا يشبه، ذكر ذلك ابن مزين عن مالك. ووجهه أن الناكل قدر أن يحلف، وينفي عن نفسه طلب الآخر، فلما نكل عن اليمين ومكن الآخر منها صار كالراضي بما ادعاه الحالف، وإن كانت دعوى الحالف لا تشبه. ولو نكلا جميعا عن اليمين، مع فوت السلعة في يد المشتري، وقد ادعيا ما لا يشبه، فإن الواجب على مقتضى الأصول التي قررناها القضاء بقيمتها. ورأى ابن أبي زمنين أنه يتخرج في ذلك من الخلاف بما كنا قدمناه من تناكل المتبايعين، والسلعة قائمة، أن ابن القاسم يقضي بنقض البيع، وابن حبيب ذكر عن مالك أن البائع يصدق لكونه قد استحق أن يبدأ به قياسا على سائر الدعاوي في تصديق المبدأ باليمين على حسب ما كنا بسطنا القول فيه، ودفعنا ابن حبيب عن قياسه على سائر الدعاوي لكون اليمين ها هنا التي بدأنا بها يترقب دفعها بيمين الآخر، فكذلك يجب ها هنا إذا تناكلا مع فوت السلعة وقد ادعيا ما لا يشبه أن يكون الواجب رد القيمة بدل العين، على مذهب ابن القاسم، ويكون الواجب تصديق المشتري المبدإ باليمين مع فوت السلعة ها هنا، على ما حكاه ابن حبيب. وهذا التخريج مما يفتقر إلى بسط؛ لأنه إذا ادعيا ما يشبه، والسلعة قائمة، استحق البائع أن يبدأ باليمين، لظاهر الحديث على حسب ما قدمناه. فإن ادعى ما لا يشبه فقد صارت دعواه مدفوعة بكونه ادعى ما لا يشبه، ولم يستحق أن يحلف على هذه الدعوى التي لا تشبه، وهذا مما يفتقر إلى بسط.

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٢٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ٢٥