تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأما من ضمن المشتري الثوبين جميعا، فإنه اعتبر الحال ولم يعتبر المآل. وقد وقع العقد على أن له التنقل من أحدهما إلى الآخر مقتضى الخيار، والمبيع بالخيار مضمون، فكأن كل واحد من الثوبين عقد عليه بانفراده على الخيار.

وأما ما وقع من التفرقة في الموازية، فكأنه قدر أن البائع إذا كان هو المتطوع بدفع الثياب، فإن ذلك لم يقع منه إلا لمنفعة نفسه، وليتم له البيع، فغلب في الثلاثة الأثواب حكم الأمانة. وأما إذا كان المشتري هو السائل في قبض الجميع، فإن البائع لا منفعة له في تسليم الجميع بل لمنفعة المشتري

السائل في هذا، فغلب حكم الخيار في كل ثوب. فانحصر الخلاف في هذا إلى تغليب حكم الأمانة في أحد الثوبين اعتبارا بالمآل، أو تغليب حكم الخيار اعتبارا بالحال، واستدلالا على حصول المنفعة بما ذكرنا من التفصيل. وقد قدمنا أن الضمان في هذا وفي غيره مما ذكرناه يعتبر فيه المنفعة للقابض أو للدافع.

فإذا قلنا بالضمان فيما يضمن هل بالقيمة أو بالثمن، فإن هذا ينبغي أن يعلم أن الثوب الواحد إذا اشتري بالخيار، فإن ابن القاسم يرى أن المشتري يضمنه إذا قبضه بالثمن، سواء كان الخيار له أو للبائع؛ لأنه قادر لما كان الخيار له أن يقبل البيع ويدفع الثمن، ولا يقدر البائع أن يمنعه من ذلك، فله أن يقول: أنا أقبله، فلا يلتفت إلى ضياعه، سواء كانت قيمته أكثر من الثمن أو أقل.

وكذلك إن كان الخيار للبائع، فإن المشتري يضمنه بالثمن، لكون البائع سلمه إليه على أن عوضه الثمن الذي اتفقا عليه، وكان للبائع أن يلزمه إياه، فلا يلزم المشتري أكثر من ذلك، ولو كانت القيمة أكثر من الثمن، لكنه يحلف المشتري ها هنا على الضياع لئلا يكون لما فسخ البائع العقد طلب ارتجاع الثوب فحبسه عنه تعديا، فيلزمه قيمته، فيستظهر عليه باليمين أنه ضاع لتسقط المطالبة عنه بما زادت القيمة على الثمن.

وأما أشهب فإنه يرى أن الخيار إذا كان للمشتري، فإنه يضمنه بالأقل من القيمة أو الثمن. فإن كان الثمن أقل من القيمة، قال: أجزت له إمضاء البيع بالتزام الثمن. وإن كانت القيمة أقل من الثمن، لم يطلب بأكثر منها, لأن له أن يقول: لا أمضي الشراء بل أرد الثوب، فيجده قد ضاع فيغرم قيمته. لكنه يحلف ها هنا على الضياع لإمكان أن يكون قد حبسه عن نفسه بأنه لا يختار إمضاء الشراء، فتجب عليه قيمته لأجل منع البائع منه، فيحلف ليسقط عنه ما زاد من القيمة على الثمن لأجل إمساكه الثوب على البائع.

وإن كان الخيار للبائع، فإن المشتري يغرم الأكثر من الثمن أو القيمة. فإن كان الثمن أكثر، قال البائع: أنا أختار إمضاء البيع، فيلزمك الثمن. وإن كانت القيمة أكثر، قال البائع: أنا أختار فسخ البيع، فلا يلزمني أخذ الثمن، بل الطالب (1) بالقيمة التي وجبت عليك.

فإذا علمت الحكم فيما يضمن به الثوب الواحد المشتري بالخيار، فإن هذين الثوبين المشترى أحدهما بالخيار مذهب ابن القاسم أن أحدهما هو المضمون. فإذا ضمن، فإنما يضمن بالثمن كما قدمناه.

ومذهب أشهب أن أحدهما مضمون بالقيمة، والآخر بالأقل من الثمن أو القيمة. فأما كون أحدهما مضمونا بالقيمة، فلأجل أنه لا بد من رده فيضمن بقيمته. وأما الآخر، فالمشتري قادر على أن يلتزمه بالثمن فكان له ألا يغرم إلا الثمن، وقادر أيضا على أن لا يلتزم الشراء ويضمنه بالقيمة، على حسب ما قدمناه قبل هذا.

وذهب (2) إلى طريقة أشهب في كون المشتري ضامنا للثوبين جميعا، وذكره عن أصحاب مالك، وقال: إنه ليس بمؤتمن في واحد منهما لما أخذهما على أن يختار هذا أو هذا. لكنه إنما يضمنه إياهما بالثمن. وكأنه قدر أنه إذا كان الضمان إنما ثبت فيهما لكون كل واحد منهما إنما عقد على انفراده على الخيار، والثوب المنفرد إذا عقد على الخيار ضمن بالثمن، كما قدمناه عن ابن القاسم، فكذلك هذا يضمن كل واحد منهما بالثمن. وقد ذكرنا عنه أنه يجيز كون ثمن الثوبين مختلفا في المقدار، على حسب ما قدمناه عن عبد العزيز ابن أبي سلمة.

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٢٥٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ٢٥٧