تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وإذا قلنا بالتضمين، فإنه لا بد أن يحلف البائعان، فإن نكلا عن اليمين، سلم المشتري إليهما الأرفع، وبقي الثوب الأدنى موقوفا حتى يفعل فيه الواجب.

والجواب عن السؤال الرابع عشر أن يقال: أما العقد على ثوب من أحد ثوبين، فإنه إن كان الثوبان متماثلين، والثمن شيء واحد، فإن ذلك جائز إذا صرف الخيار في ذلك إلى المشتري، لكون التماثل في المثمون وفي الثمن يرفع الغرر.

وأما إن اختلف المثمون مثل أن يعقد على ثوب أو دابة يختار المشتري أيهما شاء، فيلزم البائع العقد فيه، فإن ذلك لا يجوز لما يحصل فيه من الغرر والمخاطرة من جانب البائع، لكونه لا يدري ما الذي باعه بدينار هل هو ثوب أو حمار؛ وهذا فيه خطار.

لكن لو كان المشتري إذا اختار الثوب أو الحمار، عاد الخيار أيضا للبائع، في إمضاء العقد أو رده، لجاز ذلك لارتفاع الغرر لعدم إلزام البيع للبائع.

وكذلك إن اختلف جنس الثمن وتماثل المثمون، فإن حصول الغرر وارتفاعه جار على ما فصلناه.

وأما إن تماثل المثمون، وتماثل جنس الثمن ولكن اختلف في المقدار خاصة، مثل أن يبيع منه ثوبا من أحد ثوبين على أنه جعل ثمن أحدهما، وأشار إليه، خمسة دنانير، وثمن الآخر سبعة دنانير، فإن هذا ممنوع عندنا أيضا لحصول الغرر باختلاف مقدار الثمن. وأجازه عبد العزيز ابن أبي سلمة، وهو اختيار ابن حبيب من أصحابنا. وكأن عبد العزيز ابن أبي سلمة قدر أن المشتري اختار أخذ الثوب الذي بسبعة، ثم رده وهضم عن نفسه دينارين من السبعة، وأخذ الثوب الذي بخمسة بدينارين التي (1) هضم وبالثوب الآخر، فلا يكون في هذا ربا ولا تخاطر. لكنه يمنع هذا إذا كانت الدنانير مختلفة الوزن، ولو تساوى العدد، لكونه يقدر فيه أنه باع دنانير ناقصة بوازنة، فيقع بذلك في الربا.

هذا حكم جواز هذا العقد.

وأما حكم الضمان، فإنه لا يخلو هذا العقد من أن يقع على ثلاثة أنحاء.

إما أن يقع العقد على أنه إن شاء ردهما جميعا وإن شاء أخذهما. فيكون المشتري ها هنا مخيرا في العقد وفي التعيين.

أو يقع على أنه قد لزمه أحدهما والآخر مردود، ولكنه مخير في تعيين ما لزم العقد فيه دون التخيير في العقد، فأحد الثوبين في هذين القسمين مردود بلا بد، والآخر لازم بلا بد، ومخير في قبوله أو رده.

والقسم الثالث: وقوع العقد على أن أحدهما لازم بلا بد، والآخر مخير في قبوله أو رده يكون التخيير في أحدهما في العقد وفي التعيين، وفي الآخر في التعيين خاصة دون العقد.

فإن وقع العقد على الوجه الأول من هذه الوجوه الثلاثة وهو كون المشتري له رد أحدهما، ويخير في الآخر بين أن يقبله أو يرده، والتعيين في ذلك إليه، فإنهما إن ضاعا جميعا، فإن ابن القاسم لا يضمنه إلا أحدهما،

وأشهب يضمنه الثوبين جميعا. وذكر في الموازية عن ابن القاسم قولا ثالثا في هذا، فقال، فيمن اشترى ثوبا من أربعة ثياب فقبض الأربعة، فضاعت في يديه، إن البائع إن كان هو المتطوع بدفع الجميع ابتداء منه، فإن المشتري لا يضمن إلا واحدا منها. وإن كان المشتري هو السائل في تسليم الأربعة إليه ليختار ثوبا منها، فإنه يضمن جميعها.

وأشار ابن المواز إلى أنه لا فرق بين أن يقبضها المشتري عن سؤال منه للبائع أو عن تطوع البائع بذلك من غير سؤال، لكونه إنما دفع جميعها حرصا على البيع.

وسبب هذا الإختلاف أنه قد علم أن أحد الثوبين مردود للبائع بلا بد، والآخر يخير فيه المشتري، والمردود بلا بد حكمه حكم الأمانة لما كان لم يقبضه المشتري على بتات البيع فيه ولا على خيار، والثوب الآخر قبضه على خيار فيه، وقد علم أن ما قبض على جهة الأمانة لا يضمن، وما قبض على جهة الخيار يضمن. وهذان الثوبان لم يتميز منهما ما هو أمانة مما هو مقبوض على خيار، فوجب أن يضمن أحدهما، لكونه قد علم على الجملة أن أحدهما مقبوض على خيار. فكأن صاحب هذا المذهب اعتبر مآل هذا العقد، وهو كون أحد الثوبين مردودا بلا بد، فتحققت فيه الأمانة لأجل هذا.

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٢٥٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ٢٥٦