وإن فعله من المتعاقدين من ليس له الخيار، فإنه إذا انحل العقد بالفسخ أعطى قيمة بنائه منقوضا لتعديه في البناء. ولم يجعل كون العقد والخيار لغيره، ويمكن أيضا أن يقضى عليه - شبهة توجب إعطاعه قيمة البناء قائما، لا سيما عند رأي أن بيع الخيار معقود حتى يحل بالفسخ.
والجواب عن السؤال الحادي عشر أن يقال: إذا اختلف المتبايعان بالخيار فقال أحدهما: تعاقدنا على البت، وقال الآخر: بل على أن الخيار لي. فقال ابن القاسم: القول قول مدعي البت. وقال أشهب: القول قول مدعى الخيار.
وهذا الإختلاف بين المذهبين راجع إلى أصل معروف اختلف فيه ابن القاسم وأشهب.
وذلك أن ابن القاسم يبعض الجمل، وإن سيقت في سياق واحد، فيعطي الجملة الأولى حكم نفسها. وإذا فعل ذلك فقد تصير الثانية كالرجوع عما تضمنته الأولى. فإذا قال: بعتك هذا الثوب، فإن هذه الجملة ظاهرها أنها تستقل في بتات البيع. فإذا قرن بها جملة ثانية فقال: وشرطي في الخيار، صار ذلك كدعوى رفع بها حكم الأول فلا يقبل منه.
وقدر أشهب أن الفائدة والعلم بالمقصد إنما يحصل بعد استيفاء المتكلم جميع الجمل. فإذا فرغ منها حكم عليه بما اقتضاه مجموعها, لأنه لم يقر إلا على صفة أو شرط، فلا يؤخذ بأكثر مما أقر به. فإذا قال: بعتك وشرطت الخيار، لم يتضمن هذا الإقرار أكثر من عقد بخيار. فلا يقدر أنه صار مقرا مدعيا.
وهذا مثل اختلافهما في قول رجل: أخذت منك هذا المال وديعة؛ وقال الآخر: بل أسلفتك إياه. فإن ابن القاسم يقدر أن إقراره تضمن تسليم ملك ما أخذ للمقر له. فإذا سلم ذلك، صار مدعى عليه أنه ائتمنه عليه. فلا يقبل دعواه ما يرفع حكم تسليم الملك للمقر له.
وقدر أشهب أنه لم يقر له بتسليم الملك مطلقا، بل على صفة، وهو كونه سلم ملكه إليه مؤتمنا عليه.
ولم ينقل عنهما اختلاف فيمن قال: عندي لك دين وقضيتك إياه. لأن هذه الجمل يترتب بعضها على بعض في حكم العقل، فيترتب أيضا في حكم الشرع. وذلك أنه معلوم أن القضاء للدين لا يكون إلا بعد استقراره في ذمة، وإذا استقر في الذمة، فحينئذ يمكن قضاؤه. فيصير (1) المقر قد تضمن إقراره بدين ترتب في الذمة، ثم يدعي أنه قضاه بعد ذلك فلا يقبل منه، كما لو أقر بدين، إقرارا مطلقا، ثم زعم بعد مدة أنه قضاه. وهذا تبسط فروعه في موضعه إن شاء الله تعالى.
ولو كان اختلافهما بأن ادعى كل واحد منهما الخيار لنفسه دون صاحبه، فإنه اختلف في ذلك أيضا.
فقيل: يتحالفان، ويحكم لمن أراد إمضاء البيع دون من أراد رده.
وقيل: يتحالفان، ويحكم لمن أراد رده دون من أراد إمضاءه.
وقال ابن المواز: القول قول من أراد إمضاء البيع.
وهذا الإختلاف راجع إلى ما قدمناه، هل يقبل قول من ادعى البت؟ فيقضى ها هنا لمن أراد الإمضاء على طريقة ابن القاسم. وإليها أشار ابن المواز, لأن من أراد الإمضاء، صار كمدعي البت. لكن ابن المواز لما رأى أن أحد المتبايعين إذا ادعى الخيار، وادعى الآخر البت، فإن مدعي البت يصدق مع يمينه عند ابن القاسم، ولا يستحلف مدعي الخيار إذ لا فائدة في يمينه، إذا حلف مدعي البت، أجاب ها هنا بأن الإقتصار على تحليف مدعى الإمضاء خاصة.
وقد أشار بعض حذاق الأشياخ إلى أنه لا وجه لما وقع ها هنا من أنهما يتحالفان.
وعلى طريقة أشهب يكون القول قول من أراد الرد, لأنه إذا اختار الرد، صار حين اختياره كمدعي انعقاد البيع على خيار، ومن ادعى انعقاد البيع على خيار لم يؤخذ عنده بأكثر مما أقر به، لأجل ما قدمناه، لا سيما إذا قلنا: إن بيع الخيار محلول حتى يعقد بالإمضاء، فإن هذا يقتضي أن مدعي الخيار ما أقر ببيع، ولا عقد قط، فلا تقبل دعوى أخري عليه في ذلك. والذي أشار إليه بعض الأشياخ من كون استحلافهما جميعا لا وجه له. وأشار إلى أنه يمكن أن يراد بالقول: يتحالفان، أن أحدهما يحلف، ولكن لما كانت يمينه باستدعاء صاحبه، وباختلاف وقع بينهما فيما اتفقا على ثبوته واختلفا في محمله وهو الخيار، صارت يمين أحدهما يحسن العبارة عنها بالتحالف.