وهذا تأويل فيه تعسف. فإن كان ما قيل من أنهما يتحالفان أريد به أن تحالفهما يقع بعد سماع قول أحدهما: رددت؛ وقول الآخر: أمضيت، فإنه لا وجه له. وأما إن لم يقل واحد منهما ما عنده من رد أو إمضاء وقال: لا أبوح بما عندي إلا بعد أن أعرف هل القول قولي، فأحلف عليه أو أرد اليمين فيه. أو القول قول صاحبي، وإنما أحلف إذا نكل؟ فهذا يمكن أن يتصور فيه غرض يقتضي تحالفهما.
هذا قصارى ما يمكن عندي أن تصرف إليه الروايات.
والجواب عن السؤال الثاني عشر أن يقال: الأصل الذي يعتبر فيه حكم ما يضمن وما لا يضمن مما اختلف الناس في ضمانه من هذه المعاني، كالرهان والعواري وما يصنعه الصناع، إلى غير ذلك مما في معناه، سنبينه في موضعه إن شاء الله تعالى. ولكن نشير ها هنا إليه. فاعلم:
أن الوديعة متفق على أنه لا يضمنها من هي في يديه، لكون الملك لم ينتقل فيها إلى من هي في يديه، ولا قبضها من هي في يديه لمنفعة نفسه، بل لمنفعة ربها.
والمبيع بالخيار يعرض على هذا الأصل.
وقد ذكرنا ما وقع من الإضطراب في بيع الخيار، هل هو محلول حتى يعقد؟ أو معقود حتى يحل؟ وكيف جرت الحال فإن الملك لم ينتقل فيه انتقالا تاما، ولكن يجب أن ينظر فيه من ناحية المنفعة فيه لمن تحصل. فإذا تقرر هذا الأصل فاعلم:
أن المذهب أن السلعة المبيعة بالخيار إذا كانت في يد البائع فإن ضمانها منه، سواء كان الخيار له أو للمشتري أو لهما جميعا. لأنها إذا كانت في يديه وقلنا: إن عقد الخيار لا يقدر عقدا إلا حين إمضائه، ولا ينقل ملكا، فإنه يتضح كون الضمان منه لتلف ملكه في يديه. وكذلك إن قلنا: إنه منعقد حتى يفسخ، فإنه أيضا لا يقتضي هذا الملك التام للمشتري، وإذا لم يكن الملك تاما، بقي
الملك على ما كان عليه، فيكون ضمانه من صاحبه.
وأما إن كان المبيع بالخيار في يد المشتري والخيار له، فإن المذهب أن ما يغاب عليه يكون ضامنا له. ولا يصدق في ضياعه إذا لم تقم له بينة على ذلك.
فإن قامت له بينة بضياعه فذلك على قولين، فعلى أصل ابن القاسم يسقط الضمان إذا قامت البينة، لكون الأصل سقوط الضمان عن المشتري لأجل ما قدمناه. وإنما ضمن ها هنا للتهمة أنه أخفى المبيع وادعى ضياعه مع كون هذا المبيع في يديه لمنفعة نفسه، وكون البيع فيه منعقدا حتى يفسخ على أحد
الطرق.
وأما إن كانت السلعة في يد المشتري، والخيار للبائع خاصة، فالمشهور من المذهب أيضا أن المشتري ضامن لما يغاب عليه، لكون ذلك في يديه على جهة البتات، والعقد اللازم له الذي لا قدرة له على حله.
وذهب ابن كنانة إلى أن الضمان ها هنا من البائع. وكأنه قدر أن المنفعة في إيقاف هذا المبيع للبائع خاصة دون المشتري, لأن المشتري قد قبض السلعة على أن ثمنها لازم له لا إنفكاك له منه إذا شاء البائع، فوقفه البائع عن التصرف فيها كما يتصرف المالك، والانتفاع بها لمنفعة نفسه في تدبير رأيه في إمضاء البيع أو رده، وقد قدمنا أن الضمان تعتبر فيه المنفعة لمن هي، فيكون الضمان منه، على حسب ما تقدمت الإشارة إليه. فهذا سبب الخلاف الذي وقع في المذهب في هذا الوجه الذي عقد فيه الخيار للبائع خاصة، وقد قبض المشتري السلعة.
وإذا علمت حكم ضمان الرقبة المبيعة كلها، فإنك تعلم من ذلك ضمان أجزائها. فإذا باع أمة على أن الخيار للمشتري أو للبائع أو لهما جميعا، وكان ضمانها من المشتري إذا قبضها على حسب ما قدمناه، اقتضى هذا أنه إن حدث بها عيب في أيام الخيار فإن مصيبة هذا العيب من البائع، كما لو ماتت الأمة.
كانت مصيبتها منه. لكن يكون للمشتري الخيار في ردها بهذا العيب، لكونه في ضمان البائع كما بيناه. فصار كعيب بالجارية سبق العقد فإن له الرد به. فإن رضي به المشتري ثم اطلع على عيب قديم بعد إمضاء البيع، فإن له الرد به، لكونه وقع العقد على أن المبيع سالم منه، وليس له أخذ قيمته كما سنبين في كتاب الرد بالعيب هذا، إن شاء الله تعالى.