تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فأما انفراد أحدهما بالنكول فإنه يوجب تصديق الحالف، والقضاء له بما حلف عليه بائعا كان أو مشتريا.

وأما اجتماعهما على النكول، والسلغة قائمة، فإن ابن القاسم ذهب إلى أن البيع يفسخ، كما يفسخ إذا تحالفا، إذ لا فرق بين أن يتحالفا فيستويان لأجل اليمين، أو ينكلا فيستويان لأجل النكول، وقد شرع الشرع بأن تساويهما يوجب رجوعهما إلى ما كانا عليه قبل العقد، لكونهما إذا تحالفا تفاسخا، فهكذا يكون حكمهما إذا تناكلا.

وإلى هذا ذهب شريح. وذكر ابن حبيب أنهما إذا تناكلا كان القول قول البائع؛ ورأى أنه لما كان مقدما على المشتري باليمين عاد الأمر عند نكولهما جميعا إلى تصديق من بدئ باليمين، كرجل ادعى على رجل بمال، فإن المدعى عليه المبدأ باليمين على نفي دعوى المدعي، فإن حلف برىء من دعوى المدير، وإن نكل وحلف المدعي استحق ما ادعاه. وإن لم يحلف المدعي سقطت دعواه، وبرىء منها المدعى عليه، كما يبرأ لو حلف اليمين التي بدأناه فيها. وهذا لا يلزم. وليس هذه القاعدة تطرب إلا إذا كانت اليمين التي بدأت بها أحد الخصمين يفيده إيقاعها بطلان دعوى صاحبه واستحقاقه لما حلف عليه.

والمدعى عليه بمال إذا حلف فقد استقر بيمينه الحكم له ببراءته مما ادعاه عليه الآخر، ولا قدرة للآخر على مقاومة هذه اليمين وردها. والبائع إذا خالف المشتري في الثمن، وبدأناه باليمين، فإنه لا يستحق بيمينه على المشتري ما ادعاه وحلف عليه؛ لأن للمشتري أن يقاوم يمينه ويردها، بأن يحلف على صحة ما يقول فتسقط يمين البائع التي يحاول بها استحقاق شيء عليه، فلهذا كان المدعى عليه بمال إذا نكل ونكل المدعي عاد التصديق إليه في كونه بريئا من الدعوى؛ لأنه لو حلف لاستحق براءته من الدعوى، ولم يقدر المدعي على مدافعته عن هذه البراءة. فإذا نكل هو والمدعي عاد الحكم إلى ما يحكم به لو حلف اليمين التي بدأنا به فيها. وكذلك من أقام شاهدا بمال له على رجل، ونكل عن اليمين مع شاهده، وطلب يمين المشهود عليه، فنكل أيضا عن اليمين، فإن الطالب يستحق هذا المال من غير مطالبته بيمين؛ لأنه لو حلف أولا مع شاهده لاستقر له هذا الم الذي ذمة المطلوب، فإذا نكل ونكل المطلوب استحق الحق، وحكم له بالحكم الذي حكم له به لو حلف اليمين التي بدأناه بهما. فقد اتضح مخالفة تبدية البائع المخالف للمشتري في الثمن باليمين، وهو الذي حكيناه من رواية ابن حبيب من كون البائع يقبل قوله، هل مراده أنه يقبل قوله ويأخذ ما ادعاه من الثمن من غير أن يحلف، أو لا يأخذه إلا بعد اليمين عليه؟ الذي يشير إليه أشياخنا أجمعون: أنه يأخذ الثمن من غير يمين.

وقال أبو الوليد الباجي: لا بد من يمينه؛ جنوحا منه إلى الطريقة التي رددنا بها ما حكاه ابن حبيب لأجل أن اليمين التي عرضت على البائع أولا لو أوقعها لم يستحق بها على المشتري الثمن الذي يدعيه، بل أمرها مترقب هل يحلف المشتري فلا تفيده يمينه شيئا، ولأجل ترقب عدم هذه الفائدة (1) يقع التشاح في من يبدأ باليمين؛ لأن كل واحد من المتبايعين قد يريد أن يؤخر رجاء أن ينكل صاحبه فيحلف هو يمينا تفيده تصديقه والقضاء له بمضمون ما يدعيه. وإذا كانت هذه اليمين يترقب رفع حكمها بيمين المشتري لم يلحق باليمين التي يستقر الحكم بإيقاعها ولا يترقب ارتفاعه. وإذا كانت لو أوقعت لم توجب على المشتري غرامة ما يدعيه موقعها، فكذلك إذا نكل عنها ذلك أولا لا توجب على المشتري غرامة ما يدعيه الناكل؛ لأن إيقاعها آكد في تصديقه من النكول عنها، فإذا لم يستفد لإيقاعها غرامة المشتري ما يدعيه لم يستفد بالنكول عنها.

وهذه الطريقة التي سلك أبو الوليد الباجي مقتضية (2) من الطريق الذي رددنا به قول ابن حبيب. فإذا حمل على ابن حبيب مخالفة هذه الطريقة التي نبهنا عليها، وحمل عليه أنه يجري الدعاوي كلها مجرى واحدا فيحكم بتصديق المبدأ باليمين، ولا فرق بين يمين توقع يترقب رفع حكمها، أو يمين توقع لا يترقب رفع حكمها، اقتضى هذا أن يصذق البائع إذا تناكلا جميعا، من غير أن يطلب منه يمين، على حسب ما صورناه في مدع ومدعى عليه تناكلا، أو رجل قام له شاهد فنكل عن اليمين هو والمطلوب. ولو لم يسلك هذه الطريقة ويجري هذه الدعاوى مجرى واحدا في حكم النكول لوجب عليه أن يقول بما قاله ابن القاسم: إن البيع يرد، لأجل ما نبهنا عليه من الفرق بين هذه الدعوى وغيرها من الدعاوي. وقد كنا ذكرنا لك قبل هذا اختلاف أصحاب الشافعي في

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٢٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ٢٤