وهذا فرق يصح على أصلهم، ولو كانوا يقولون بمذهبنا أنهما إذا اختلفا في مقدار الصداق قبل الدخول تحالفا وتفاسخا النكاح، ويبقى البضع على ملك المرأة، على حسب ما كان قبل عقد النكاح، لكان هذا الاستقراء صحيحا. وقد وقع للشافعي كلام ذهب بعض أصحابه إلى أنه قول ثالث في هذه المسألة وهو قوله: إن استحلف الحاكم البائع قيل للمشتري: أتقبل منه أم تحلف؟ وإن بدأ بالمشتري قيل للبائع: أتقبل منه أم تحلف؟
وقال بعض أصحابه: هذا لا ينبغي أن يكون يجعل له قولا ثالثا؛ لأنه يمكن أن يكون أراد أن يحكم (1) الحاكم بتبدية البائع، وهو مذهبه، قيل للمشتري؛ كذا. أو حكم بتبدية المشتري، لما كان ذلك مذهبه، قيل للبائع: كذا. فأنت ترى أن الشافعي ينسب إليه بعض أصحابه ثلاثة أقوال: تبدية البائع، وتبدية المشتري، وتخيير الحاكم فيمن يبدأ به منهما. وبعض أصحابه ينكر أن يكون له إلا قول واحد، وهو تبدية البائع.
وهذا الذي ينسب إليه بعض أصحابه من تخيير الحاكم يضارع ما ذهب إليه أشياخي من أن الصحيح في هذا أن يقرع بينهما من الذي يبدأ منهما؛ لأن
الشافعي إنما ذهب إلى تخيير الحاكم، على ما نسب إليه بعض أصحابه، لكون البائع والمشتري لا مزية لأحدهما على الآخر توجب تبديته. وكذلك رأى أشياخي أن كل واحد من هذين المتبايعين مدع ومدعى عليه، وليس أحدهما أحق بالتبدية من الآخر، فوجب تخيير الحاكم فيمن يبدأ به منهما. ورأى أشياخي أن صرف ذلك إلى القرعة أطيب لنفوسهما، وأقرب إلى ما ورد به الشرع في مثل هذا من القرعة في العتق، لما عتق أحد الصحابة ستة أعبد له.
الحديث المشهور (1).
فتلخص من هذا أن في المسألة أربعة أقوال: تبدية البائع، وتبدية المشتري، والتخيير، على رأي من ذكرناه، والقرعة على رأي أشياخي.
فأما من ذهب إلى التعبدية بالبائع فإنه يرتجح جنبة البائع بظاهر الحديث وهو قوله عليه السلام: "إذا اختلف المتبايعان فالقول قول البائع، أو يترادان" (2) وظاهر الحديث قبول قول البائع من غير يمين، ومن كان قوله هو المقبول هو المبدأ. وإنما أثبتنا اليمين بظواهر أخر في هذا الخبر وغيره. وأيضا فلأن البائع أقدم ملكا، ومن كان ملكه أقدم وأسبق كان جانبه أوضح. وأيضا فإنهما إذا تحالفا رجعت السلعة إلى يد البائع، على حسب ما كانت عليه قبل البيع، ورجوعها إليه بعد التحالف: يشعر بأن جانبه أقوى من جانب المشتري لرجوعها إليه دونه.
وأما من ذهب إلى تبدية المشتري فإنه يرى أن الأصل قبول قوله لكونه مدعى عليه زيادة ثمن بعد إقرار البائع له بانتقال الملك إليه، وإذا اتفقا على انتقال الملك إليه واختلفا في المستحق في ذمة المشتري، فقال البائع: بعتك بعشرة. وقال المشتري: بل بخمسة. صارت الخمسة الزائدة كمال انفرد بالدعوى فيه البائع دون المشتري، فيصدق المدعى عليه. ولهذا ذهب أبو ثور
إلى تصديق المشتري على حسب ما كنا قدمناه (1) لذكره عنه. لكن فقهاء الأمصار لم يساعدوه على هذا المذهب لأجل ورود الخبر الذي قدمناه. وإذا كان الأصل قبول قول المشتري أشعر ذلك بأنه أقوى جنبة من البائع، فاستحق لأجل هذا الترجيح أن يقدم على البائع. ويجيب هؤلاء عن ترجيح جنبة البائع يكون ما له أسبق، بأن المشتري متفق على انتقال الملك إليه، فكان أيضا أرجح من هذه الجهة. ويجيبون، عن ترجيح البائع يكون السلعة ترجع إلى ملكه، بإن المشتري أيضا يبقى الثمن عن (2) ملكه. فإذا كانت الترجيحات قد تعارضت على ما أريناك استوت (3) مزية البائع والمشتري، فلم يكن أحدهما أحق بالتبدية من صاحبه، فوجب تخيير الحاكم أو القرعة، كما ذهب إليه أشياخي.
فهذا تلخيص المذاهب في هذه المسألة وضبطها وبيان منشأ الخلاف فيها.
وأما الوجه الثالث، وهو حكم النكول فلا يخلو من أن ينفرد البائع بالنكول، أو ينفرد المشتري، أو يجتمعان عليه، والسلعة في جميع هذه الأقسام قائمة أو فائتة.