تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يظهر له وجه في المصلحة غالبا، ألا ترى أنه لو تبين أن ذلك سوء نظر للمولى عليه، وإتلاف لماله، لم يجز للوصي التأخير. فكذلك إذا كان هذا هو الغالب في العرف. ولأجل هذا الذي أشرنا إليه من مراعاة المقاصد باليمين يبر الحالف بتأخير الغرماء بشرط أن يبرؤوا ذمة الميت من دينهم بالتحول على هذا الغريم، فإنهم إذا برؤوا ذمة الميت وتحولوا عليه، صاروا بذلك مستحقين لهذا الدين، فحلوا في هذا محل الوارثين.

واشترط في المدونة شرطا آخر، وهو كون مالهم من الدين يستغرق تركة الميت. وهذا الاشتراط دليله أن الدين الذي لهم إذا كان لا يستغرق جميع ما تركه الميت، فإن الحالف لا يبر بتأخير الغرماء. وقد عورض هذا، وأشير إلى أنه ينبغي أن يبر في يمينه إذا أبرأوا ذمة الغريم الميت، وأسقطوا الطلب عن تركته، وتحولوا بدينهم على هذا الغريم.

وقد يجاب عن هذا الاعتراض بأن الدين إذا كان يستغرق جميع تركة الميت، سقط حق الوارث، وصار المستحق لجميع التركة (1) لا الغرماء دون الوارثين. فإذا كان الغرماء إنما يستحقون بعض التركة من جنس منها دون جنس لم ينفردوا بالتحكم فيها بأن يأخذوا الدين دون رضي الورثة، إذ لم تكن لهم فائدة في تعيين جنس دون جنس. فإذا لم ينفردوا باستحقاق الأخذ من هذا الغريم الحالف دون رضي الورثة، صاروا كرجل لا حق له في هذه التركة أخر هذا الغريم.

وكذلك يجري الأمر في ميراث الغرماء مشيئة الميت المشتري سلعة بالخيار. فإن الإعتبار في هذا يكون هذه السلعة يرجى فيها فضل إن أجيز شراؤها. فإن الأمر إن كان كذلك، كان له (2) أخذ هذه السلعة، ولا مقال للورثة في منعهم من ذلك؛ لأن منعهم من ذلك يؤدي إلى انتقاص دينهم،

ومنعهم من استيفائه. لكن بعض الأشياخ قال: إنهم لا يمكنوا (1) من أخذه هذه السلعة التي فيها فضل ربح إلا بشرط أن يكون الربح يقضى به دين الميت. وإن وقعت فيه خسارة، كانت عليهم. بخلاف المفلس إذا فلس، وقد اشترى سلعة فقضى لبائعها، فإنه أحق بها من غيره من الغرماء، إذا لم يكن قبض الثمن. فإن اختار من سواه من الغرماء أن يدفعوا إليه الثمن الذي باع به السلعة ويأخذوها ليبيعوها لرجاء فضل فيها، فإنهم يمكنون من ذلك، وإن كانت خسارة، فعلى الميت.

وإنما افترق حكم الخسارة في هذين السؤالين في كونها في أحدهما على الغرماء وهو فيما اشتراه بالخيار، وفي المسئلة الأخرى على الغريم المفلس، لأن الغريم المفلس قد اشترى على البتات، واستقر الثمن في ذمته ثبوتا لا انفكاك له منه. وهذا الذي اشترى سلعة بالخيار لم يثبت ثمنها في ذمته لجواز أن يختار ردها. فسقط عنه الثمن. وإذا كان الأمر كذلك، صار غرماؤه كمن أثبت دينا على الميت لم يثبته عليه الشرع، ولا ألزمه على كل حال. فلهذا كانت الخسارة عليهم ها هنا.

وإذا قلنا: إن الغرماء ها هنا لهم أيضا ما اشتراه الميت بالخيار إذا كان فيه فضل، فإنما المراد بهذا أن ذلك حق لهم لما بيناه من فائدته لهم وللميت. ولا يكون ذلك حقا عليهم لأنهم لا يلزمهم أن يتركوا أخذ دينهم مما تركه الميت، من ناض أو غيره، مما يأخذون دينهم منه في الحال، ويكلفون الانصراف عن هذا إلى أخذه من ثمن سلعة يتكلفون بيعها، وربما تستحق عليهم، أو ترد بعيب. وقد وضح حكم ميراث المشيئة والاختيار وما يتعلق به مما بيناه فاعلم.

والجواب عن السؤال الخامس أن يقال: قد بينا، فيما تقدم في كتاب بيوع الآجال والبيوع الفاسدة، منع سلف جر منفعة، وكل ما أدى إليه، كبيع وسلف، أو التردد بين كون عوض السلعة ثمنا أو سلفا. ومقتضى هذا الذي قلناه يمنع من

اشتراط النقد في بيع الخيار، لكون من اشترى سلعة بالخيار واشترط البائع عليه أن ينقده ثمنا، فإن هذا المنقود متردد بين أن يكون ثمنا، إن أمضى المشتري الشراء، أو يكون سلفا إن رد ما اشتراه. وهذا ممنوع اشتراطه، لكون السلف متحققا. فإذا وضح علة المنع من هذا وأنه يجري من جهة المعنى مجرى البيع والسلف، فإنا كنا قدمنا أن البيع بشرط السلف فيه اختلاف: هل يصح البيع إذا أسقط السلف أم لا يصح؟ على ما تقدم بيانه؟.

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٢٣٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ٢٣٨