تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد اضطرب المتأخرون في هذه المسئلة التي نحن بصددها، هل يجري ترقب السلف مجرى تحققه؟ فيقال، فيمن باع بالخيار واشترط النقد: إنه (1) أسقط اشتراطه، صح البيع، كما يصح، على ما ذكره في المدونة، في اشتراط السلف في عقد البيع.

فذكر ابن سحنون أن اشتراط النقد في بيع الخيار لا يجوز، وهو كالبيع والسلف. وظاهر هذا يقتضي أن اشتراط النقد إذا أسقط صح البيع على المذهب المشهور في بيع وقع بشرط السلف، وإن كان بعض الأشياخ حمل هذا على أن مراده بهذا التشبيه كون السلف قد قبض، وهو إذا قبض لم يصح إسقاط الشرط، على حسب ما كنا قدمنا ذكره وما قيل فيه. وهذا من هذا المتأول إشارة إلى استبعاد تصحيح البيع إذا أسقط فيه شرط النقد، وكأنه يقدر أن الفساد ها هنا في نفس الثمن بجملته، والفساد إذا كان من نفس الثمن، لم ينصلح البيع بإزالة الفساد من الثمن. كمن باع سلعة بثمن إلى أجل مجهول كموت زيد، فإن البيع فاسد وإن عجل الثمن لما كان الفساد في جملة نفس الثمن، كما قدمنا ذكر هذا في موضعه، واشتراط السلف معنى خارج عن الثمن والمثمون، فحسن أن يصح العقد بإسقاط الشرط.

ومن المتأخرين من يشير إلى تصحيح هذا البيع إذا أسقط البائع اشتراط النقد تعلقا بظاهر كلام ابن سحنون. وقد نوقض هؤلاء بما وقع لابن القاسم في

المدونة فيمن اشترط النقد واطلع على عيب قديم، وحدث عنده عيب، أن القيمة تجب، ولم يعتبر فيها الأكثر والأقل كما اعتبر ذلك في البيع بشرط.

وأشار البراذعي في تمهيده إلى أن هذا كالمخالف لما ذكره ابن سحنون. وهكذا ذكر بعض الأندلسيين أن هذا بخلاف البيع بشرط السلف، فإن العقد لا يصح بإسقاط شرط النقد في بيع الخيار.

وإذا تقرر حكم اشتراط النقد، فإن التطوع به بعد العقد جائز. إلا أن يؤدي ذلك إلى ممنوع وهو الوقوع في معاوضة عن دين بتأخير، ومضاهاة فسخ الدين في الدين. فإذا عقد سلما على خيار اليوم واليومين، وهو ما يجوز تحديدها في الخيار في هذا، كتحديد تأخير رأس المال السلم، فإنه لا يجوز اشتراط تأخيره أياما كثيرة, لأنه بعد هذه الأيام إذا أمضاه من له الخيار فيه، قدر كأنه لم يزل ماضيا من حين العقد، وتأخير (1) رأس مال السلم فيه أياما كثيرة.

فإذا عقد الخيار في السلم على هذا الوجه الجائز، فإنه لا يجوز التطوع بالنقد برأس المال، لكون هذا التطوع بالنقد إذا أمضي عقد السلم بعد التطوع به، وقد كان لمن أمضاه أن يفسخ البيع، صار إمضاؤه العقد كأخذ ما أسلم فيه عن دين، وهو ما تطوع بنقده.

لكن بعض أشياخي لم ير المنع من هذا يقتضي فسخ العقد إذا وقع ورد ما أمضاه من السلم، لكون هذا إنما نقد على أن يكون في الذمة ثمنا لما أمضى من السلم، فلا يحل هذا محل دين ثبت في الذمة غير متعلق بالسلعة المأخوذة عنه بعد طول زمن.

وعلى هذا الأسلوب يجري منع التطوع في جارية علية بيعت بالمواضعة.

وشرط فيها الخيار، أو سلعت غائبة اشتريت على البت، أو منافع اكتريت بشر الخيار، على حسب ما كنا قدمناه من بيان طريق ابن القاسم في منعه أخذ هذه الأشياء عن ديون مستقرة في الذمة.

وقد قال بعض المتأخرين: لو تنازع المتبايعان بشرط الخيار في إيقاف الثمن، لم يجب إيقافه. وأشار إلى أنه لا يختلف فيه، كما اختلف في إيجاب قبول الثمن في الأمة التي بيعت على المواضعة، وفي بيع السلعة الغائبة، لكون هذين عقدين منبرمين ثابتين، وثبوت العقد يقتضي ثبوت الثمن، وما ثبت حسنت المطالبة به، وبيع الخيار، المثمون لم ينبرم العقد فيه ولا ثبت، فكذلك ثمنه لم يثبت، وما لم يثبت لا يجب إيقافه.

وقد ذكر في المدونة فيمن اشترى سلعة على البت، ثم بعد ذلك جعل فيها الخيار للبائع، أو جعله البائع له، أن ذلك جائز. وأطلق الجواب.

وقيده بعض حذاق الأشياخ بأن معناه أن الثمن قد نقده المشتري، ولو كان لم ينقده ما جاز هذا الخيار, لأنه إذا لم ينقده، صار الخيار في هذه السلعة يؤدي إلى أخذ سلعة على خيار عن دين. وقد قدمنا المنع من هذا. وأنكر هذا بعض أشياخي، ورأى أن هذا لا يتصور بمجرد مطلقه أخذه سلعة بخيار من دين, لأن المعاملة الأولى كانت على البت، فإذا جعل المشتري بعد ذلك لمن باعها منه الخيار فيها، فقد صار المشتري كبائع باع سلعة من آخر على الخيار، وكأنها سلعة ثانية لا تعلق لها بالأولى، كما لا تعلق للعقد الثاني الذي عقد على الخيار بالعقد الأول الذي عقد على البت، وإذا لم يكن له به تعلق، وجب نقد الثمن الذي اقتضاه على البت، وبقي حكم الثمن في العقد الثاني الواقع بالخيار على مقتضى حكمه.

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٢٣٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ٢٣٩