وقد قال - صلى الله عليه وسلم - "المسلمون على شروطهم" (1).
فأما الثوب، فإنه يضرب فيه اليوم واليومان، والعبد الخمسة أيام والسبعة. والدابة اليوم، أو البريد إن كان غرضه باشتراط الخيار اختبار سيرها.
والدار الشهر ونحوه. وهذا هو المشهور من المذهب.
وقد قيل: في اختبار سير الدابة بريدان. وقيل: في العبد شهران.
وهذا كله لا ضابط له من ناحية النصوص أو الظواهر، وإنما يضبطه
مقتضى العادات في الاختبارات لما شرط فيه الخيار. والخلاف الذي ذكرناه عن المذهب في هذا التحديد اختلاف في شهادة بعادة.
فإذا تقرر حكم الخيار المطلق والمحدود بوقت معين، فإنه لو وقع مشارا فيه إلى التأييد، كقول البائع للمشتري: لك متى شئت، فإن هذا مما اختلف الناس فيه.
فذهب الشافعي إلى فساد هذا البيع، لأجل كون الشرط قد زاد على الثلاث.
وذكر عن أبي حنيفة أنه أفسد البيع والشرط أيضا. وقد يقتضي ما حكيناه عنه في اشتراط الزيادة على الثلاث أن المشتري إذا أسقط ها هنا ما جعل إليه من المشيئة على التأييد، واقتصر على الثلاث قبل تقضيها، أن البيع يصح ويذهب فساده.
وذهب ابن شبرمة إلى أن البيع والشرط صحيح.
وذهب ابن أبي ليلى إلى أن البيع صحيح والشرط باطل.
وقد حكى عبد الصمد ابن عبد الوارث أنه دخل الكوفة (2)، فأتى أبا حنيفة فسأله عن رجل اشترى سلعة على أنه بالخيار متى شاء. فقال له: البيع والشرط
باطلان. وأتى ابن شبرمة فسأله عن ذلك فقال: هما صحيحان. وأتى ابن أبي ليلى فقال له: البيع صحيح والشرط باطل. فقال: فعدت إلى أبي حنيفة فأعلمته بما قال الرجلان. فقال: لا أدري ما قالا. نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن بيع وشرط (1).
وعدت لابن شبرمة فذكرت ما قالا أيضا. فقال: لا أدري ما قالا. قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "المسلمون على شروطهم" (2). وأتيت ابن أبي ليلى فأخبرته أيضا فقال: لا أدري ما قالا. وذكر حديث بريرة المذكور فيه صحة البيع وإسقاط اشتراط الولاء (2).
وقد ذكر عن ابن أبي ليلى أنه أجاز اشتراط الخيار وإن طال زمانه كالسنتين والثلاث. وبه قال محمد بن الحسن وأبو يوسف، وخالفا أستاذهما أبا حنيفة، فيما حكيناه عنه من فساد هذا البيع إذا لم يسقط الشرط. وهؤلاء يرون أن الإعتبار يكون الأجل محدودا، ولا يؤثر كونه طويلا، كما لا يؤثر في صحة البيع إلى أجل طول زمن الأجل المضروب لاستيفاء الثمن على وجه لا يلحقه مخاطرة، على حسب ما تقدم بيانه في البيع إلى أجل ثمانين سنة أو مائة سنة.
ويدافعون عن هذا القياس بما تقدم ذكره من كون الخيار رخصة لما فيه من الغرر، على حسب ما تقدم بيانه، مما يباح فيه الغرر اليسير الذي تدعو الحاجة إليه، مع كون الغرض في الخيار النظر في العين، وتحصيل الربح والفائدة، التي وضعت التجارة لأجلها. وهذا الغرض حاصل في الأمر اليسير، ولا حاجة بنا إلى إباحة الكثير. والغرض من الأجل أيضا التصرف، وطلب الفائدة المأخوذة من الأجل، وهذا المعنى محقق في الأجل وإن طال، مع كونه لا تحجير فيه في المبيع يخالف مقتضى العقد، وإنما ضرب لاستحقاق المطالبة بالثمن، واستحقاق المطالبة بالثمن إنما تكون بعد صحة العقد وحصول مقتضاه.
فإذا تقرر أحكام الخيار المشترط مطلقه ومقيده، فاعلم:
أن مشترط الخيار إن عاقه عائق عن النظر فيما اشترط الخيار من أجله، مثل أن يشترط المشتري الخيار مدة فيجن أو يغمى عليه أو يفقد، فإنه إذا عاقه عن النظر شيء من هذه المعاني، وذهب أمد الخيار، ولحق البائع الضرر في الإنتظار، كان للقاضي أن يفسخ هذا البيع لحق البائع في إزالة الضرر عنه.
فإن أراد أن يمضي الشراء له، فأما فيمن جن جنونا مطبقا فإن له ذلك.
وأما المغمى عليه فإن ابن القاسم منع من ذلك لكون الإغماء مرضا يرجى زواله عن قريب.