تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وذهب الشافعي إلى أنه لما عقد هذا البيع على فساد لم يرتفع الفساد بإسقاط هذا الشرط الذي أفسده، كأحد القولين عندنا في البيع والسلف وما في معناه، وقدر أن الخيار له حصة من الثمن، وإسقاطه كإسقاطه بعض الثمن، والفساد إذا وقع في الثمن أو في المثمون لم ينصلح العقد بإسقاط الفساد. وقدر أبو حنيفة أن هذا كالشروط الخارجة عن الثمن والمثمون، فإمضاء العقد إذا أسقطت. ولكنه إنما يمضي العقد إذا أسقطت، إذا كان الإسقاط قبل أن تذهب الثلاث، التي أجاز الشرع اشتراطها. فأما إن ذهبت وحصل المتعاقدان على إثبات الخيار في

وقت لا يجوز إثباته فيه، فإن إسقاط الشرط لا يصحح العقد.

وأما ما نذهب إليه نحن في هذه المسئلة، فإن القاضي أبا محمد عبد الوهاب ذكر في شرح الرسالة أن الشروط الفاسدة إذا أسقطت، صح العقد.

لكنه استثنى هذه المسئلة، فقال: إذا اشترط في العقد خيار أيام كثيرة، فإن ذلك لا يجوز، ولو أسقط الشرط، بخلاف غير هذا من بياعات الشروط. وقرر أن إسقاط الشرط ها هنا إمضاء البيع، وقد كان له فسخه وإمضاؤه بحكم مقتضى شرط الخيار البعيد ميقاته. وإسقاط الشرط ها هنا لا تتحقق صورته كما يتحقق ذلك في إسقاط السلف المشترط، فإن إسقاطه نقيض اشتراطه. والمناقضة والمضادة لا يمكن معها تخيل كون الضدين شيئا واحدا. وإسقاط ما زاد على أيام الخيار ليصح العقد لا يتصور، بينه وبين إمضاء العقد للخيار المشترط، فرق. فلهذ عنده لم يؤثر إسقاطه في تصحيح البيع.

وهذه الطريقة التي أشار إليها، وإن كانت خفية، فإنها قد تلاحظ ما كنا قدمناه في كتاب السلم الثاني فيمن أسلم في طعام سلما فاسدا، ثم فسخ العقد وأراد المتعاقدان بعد العقد أن يتعوضا عن رأس المال بمثل ذلك الطعام الذي وجب الفسخ فيه. فقد كنا حكينا أن أحد القولين أنهما لا يمكنان من ذلك، لأنهما يتهمان في هذا الفعل على تتميم الفساد الذي فسخ العقد فيه. وقيل: إن ذلك جائز. وإذا كان إسقاط ما زاد من أيام الخيار على القدر الجائز يتضمن إمضاء البيع واختيار انعقاده، فيحسن سلوك هذه الطريقة. وأما إذا قال المشتري في أول يوم: أنا أسقط الزائد من هذه الأيام على ما يجوز، وأبقى على خياري في إمضاء العقد أو رده. فإن هذا قد ظهر له تأثير خلاف مقتضى ما يتهمان عليه من كون إسقاط الشرط لتصحيح البيع قصدا به التزام البيع بحكم موجب الخيار المشترط. وهذا مما يتردد النظر فيه على طريقة القاضي أبي محمد عبد الوهاب إن شاء الله.

وأشار شيخنا أبو الحسن اللخمي، رحمه الله، إلى تخريج فسخ هذا البيع

لأجل هذا الخيار، على ما تقدم بيانه من الخلاف في بياعات الآجال، لأجل التهمة على التحيل على ضمان بعوض، على حسب ما قدمنا عن أشهب. فلما اجتمعا عنده في أن المنع للتهمة، وجب أن يجتمعا في حكم الفسخ.

وهذا الذي قاله، رحمه الله، لا يصح على طريقة من حكينا عنه، فيما تقدم، أن الأجل البعيد إنما منع في بيع الخيار لما تضمنه (1) الغرر. لأن الفسخ لأجل الغرر ليس لأجل التهمة، بل لورود الشرع بالمنع منه. وكذلك على طريقة من علل بأن علة المنع كون الخيار المشترط كالمناقض لمقتضى العقد وكان الأصل منعه وقد قال الشافعي، رضي الله عنه، لولا ورود الخبر بجواز الخيار ثلاثا ما أجزنا من الخيار ما قل من أيامه أو كثر.

وأما طريقة أشهب في التعليل بالتهمة، فيمكن أن يكون ذكر هذه العلة، وهو ملتفت إلى غيرها من العلل التي قدمناها، فيجب عنده الفسخ، خلاف بياعات الآجال التي لا تعلل بأكثر من التهمة.

وقد تقدمت الإشارة إلى سبب اقتصار أبي حنيفة والشافعي على كون الخيار ثلاثا، لحديث المصراة، الذي ذكره، لكون الثلاث في حكم القليل، والقليل من الغرر يعفى عنه بخلاف الكثير.

وأما مالك رضي الله عنه، فإنه يرى أنه لم يرد خبر بالمنع من اشتراط الزيادة على ثلاثة أيام، وحديث المصراة ليس بنص في المنع من الزيادة على ثلاثة أيام، ولا الخيار المذكور فيه مشترط في أصل البيع، وإنما علته ما سننبه عليه في كلامنا على التصرية، إن شاء الله تعالى. وإذا لم يثبت عنده دليل بالمنع، وكان أصل الخيار إنما أجيز لأجل الحاجة إليه، وجب أن يكون يجوز أن يضرب من الأجل بقدر ما يحتاج إليه من أجناس المبيعات. ومعلوم من جهة العادة أن الأجل في ذلك لا يتساوى، وإمكان مقتضى الأصل أن يباح منه كل ما دعت الحاجة إليه، والحاجة إليه تختلف باختلاف الأجناس.

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٢٣٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ٢٣٣