وإذا كان كذلك لم يمكن أن يشتري لرشيد حال بينه وبين النظر لنفسه حائل يرجى زواله عن قرب. وأجاز أشهب ذلك قياسا على من جن، وأما على من فقد، فإنه يجري على هذين القولين أيضا.
وقد عورض ابن القاسم بما ذكر في المعير أرضا لمن يبني فيها إلى أجل محدود، فحل الأجل والمعير غائب، فإنه أجاز للقاضي أن يأخذ له البناء بقيمته منقوضا. فأباح للقاضي أن يشتري له لأجل غيبته، وإن لم يبح ذلك له في المغمى عليه. وقد فرق بينهما بأن الإغماء مرض يذهب عن قرب، والغيبة تطول.
وقد يقال أيضا: إن النظر، الذي يدعو إلى الشراء له، ما يرجى من ربح إذا أخذ له ما اشتراه على خيار. وهذا الذي يرجى لانقطع بحصوله لجواز حوالة الأسواق أو تلف ما أخذ له. (والتلفيق الذي حصل في البناء كسلعة ملك الغائب أخذها، والهدم إتلاف لها, وللقاضي أن يمنع من إتلاف ملك الغائب.
وهذا سنبسط الكلام عليه في موضعه إن شاء الله تعالى) (1).
وإذا تقرر أن الإغماء يمنع من الاختيار ووجب الانتظار، فهل يسقط الإعتبار بأمد الإغماء، مثل أن يشترط المشتري الخيار ثلاثا فيغمى عليه فيفيق في اليوم الثالث، أم لا؟
والنظر في هذا يستند إلى هذا المصاب الطارئ، هل تكون العهدة فيه على البائع، فيستأنف المشتري إكمال الثلاث بزيادة يومين على اليوم الثالث الذي أفاق، كما اختاره بعض أشياخي، وقدر أن هذا المانع دركه على البائع، فيقضى عليه بالزيادة على ما اشترط في أيام الخيار. أو يقال: إن هذا مصاب طرأ على المشتري فدركه عليه، وقد فعل البائع أكثر ما عليه من التمكين من الإختبار، فحيل بين المشتري وبين ذلك بأمر لا صنع للبائع فيه. هذا عندي مما ينظر فيه.
وقد حكينا عن ابن القاسم أن مجرد ذهاب أيام الخيار والمشتري الذي اشترط الخيار مغمى عليه لا يوجب الفسخ حتى يطول انتظار إفاقته طولا يلحق البائع الضرر منه. وهذا يشير إلى أنه جعل الدرك في هذا المصاب على البائع.
وإن كان قد قال أشهب: إن القاضي يأخذ له ما دام أيام الخيار لم تذهب.
وأشار إلى أنها إذا ذهبت لم يكن له أن يأخذ له. وقد أشار بعض أشياخي إلى أن هذه طريقة تخالف طريقة ابن القاسم التي ذكرناها، من كونه لا يرى الفسخ بمجرد تقضي أيام الخيار. ويمكن أن يكون أشهب اعتبر تقضيها في الأخذ للمغمى عليه لما كان جواز الأخذ له مختلفا فيه بينه وبين ابن القاسم، لكونه استئناف شراء. وأما الفسخ فإنه من حق القاضي، فلا يعتبر فيه ذهاب أيام الخيار. لكون الفسخ مما اتفق ابن القاسم وأشهب عليه ورأياه مما يجوز للقاضي فعله.
وأما إن كان العائق الذي منع من الإختبار مما يتأبد كموت المشتري بالخيار أو البائع بالخيار، فإن هذا مما اختلف فيه:
فذهب مالك والشافعي إلى أن هذا يورث عن الميت لما كان هذا الخيار المشترط متعلقا بالمال ومن الحقوق المالية، فيجب أن يورث كما يورث المال نفسه.
وذهب أبو حنيفة إلى أنه لا يورث, لأن الذي ملك مشترط الخيار مشيئة
وإرادة، بالإرادة (1) تعدم بموته، ويستحيل وجودها مع كونه ميتا، وقد علق إمضاء البيع عليها. وهذا الذي علق إمضاء البيع عليه يستحيل وجوده في الميت، فإذا استحال ذلك استحال المبيع (2) الذي علق به.
واعلم أن الظاهر الذي ورد في الشرع مما يتعلق به هؤلاء المختلفون من قوله تعالى في آية المواريث ﴿فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك﴾ (3) الآية.
وكذلك قوله تعالى ﴿ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك﴾ (4) وكذلك ﴿ولكم نصف ما ترك أزواجكم﴾ (5) الآية. إلى غير ذلك مما ذكر في الفروض. فيرى مالك والشافعي أن هذا مما تركه الميت، فوجب أن يورث عنه كسائر أمواله. ويرى أبو حنيفة أنه لم يملك سوى مشيئة وإرادة متعلقة بهذا المبيع. فلا يقال: إن هذا مما ترك, لأنها لم يتركها، فوجب أن لا يدخل في هذا الظاهر. وقد قال في الحديث أيضا: "من ترك مالا أو حقا فلورثته" (6).