تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهذا الذي قالت له ثبت أنه المتفاهم بين المتعاقدين صير إليه. وأما إن لم يثبت ذلك وادعى كل واحد منهما أن قصده خلاف قصد صاحبه، فإن هذا لا يصح أن يقضي فيه برجوع أحدهما إلى الآخر. وربما اقتضى فسخ البيع، على ما سننبه عليه في موضعه إن شاء الله تعالى، إذا تكلمنا على الأصل الذي يؤخذ منه.

فإذا وجب تسليم السلعة للاختبار، فهل يكون على المشتري إجارة الإنتفاع بها أيام الخيار. مثل أن يكون عبدا استخبره بالاستخدام، أو دارا اختبرها بالسكنى، فإن ذلك ينبغي أن يكون بإجارة معلومة إذا كان المشتري انتفع بهذا الاختبار، بأن وإن به ماله مثل أن يسكن الدار التي أخذها ليختبرها، ولولا سكناه فيها لاكترى مسكنا. لأن هذا إذا لم يكن بإجارة، صار في أصل العقد تخاطرا. والمشتري إذا رد بعد انقضاء أمد الخيار، ذهب بمال البائع باطلا. والبائع يقول لعله لا يذهب به باطلا. وإن أمضى البيع، صار كمنتفع بمال نفسه إذا قلنا: إن بيع الخيار إذا أمضي، فكأنه لم يزل ماضيا من حين العقد. وأما إن لم تكن له منفعة في هذا الاختبار، وقى بها ماله، ولا استفاد من الاختبار منفعة أكثر من اختبار المبيع، وكان البائع أيضا ممن لا قدر لهذا عنده، ولا يقصد فيه إلى مخاطرة، فإن هذا مما ينظر فيه، وربما كان الأظهر جوازه، لكون العقد إنما وقع على مجرد الدار، ولم يقع على الدار ومنفعتها.

والجواب عن السؤال الرابع أن يقال: الخيار المشترط يقع على وجهين:

مطلق، ومقيد بوقت.

فأما المطلق، فمثل أن يقول المشتري: أشتري منك على أني بالخيار.

ولم يحد ميقاتا معلوما. فإن هذا اختلف الناس فيه. فمنهم من ذهب إلى أنه يفسد البيع، وبه قال أبو حنيفة والشافعي. لكون هذا اللفظ مترددا بين أن يكون قصد المشترط لهذا خيار مدة قريبة، أو مدة بعيدة لا يجوز اشتراطها في الخيار.

واختلاف هذين الحالين يختلف معهما الحكم بالصحة والفساد. ويختلف الثمن معهما, لأن من أحب أن يوسع له في أمد الخيار إذا اشترى زاد في الثمن. فإذا اختلفت هذه الأحوال، صار البيع فاسدا لما تضمنه من الغرر.

ومنهم من ذهب إلى أن البيع صحيح، ويقضى يكون الخيار على الفور لأنه أمد متحقق، وما زاد عليه لا يقتضيه اللفظ نصا، فوجب إطراحه. وإذا وجب إطراحه وحمل اللفظ على الفور، لم يكن في هذا البيع غرر، ولا يتضمن

اختلاف الأحوال التي ذكرنا. وقد قيل في أحد القولين عندنا في القائل لزوجته اختاري، أن ذلك لا يحمل على التراخي الطويل، ولا يثبت خيارها فيه بعد افتراقهما في المجلس، لكون هذا اللفظ يقتضي الفور، لا سيما إذا قلنا: إن الأمر على الفور، كما ذهب إليه بعض الأصوليين. والرواية الثانية أن لها الخيار، وإن قامت من المجلس، لكون اللفظ يقتضي الفور والبدار، لا سيما إذا قلنا بحمله على العموم في الأزمان. ذهب إلى هذا في بيع الخيار الطبري وحمل المطلق منه على كون هذا الخيار المشترط يقتضي الفور.

ومذهب مالك رضي الله عنه أن البيع صحيح، ويضرب من أمد الخيار الذي أطلقاه ما جرت به العادة في اختبار جنس ذلك المبيع، وتحصيل الغرض الذي من أجله شرط الخيار. وقدر أنهما لما اشترطا الخيار ولم يؤقتاه، فكأنهما اشترطا الميقات المعلوم قدره من جهة العادة. فصار ذلك كاشتراط ميقات محدود بالنص عليه.

وأما إن وقع الخيار مقيدا بزمان محدود، فإن هذا أيضا مما اختلف الناس فيه. فذهب أبو حنيفة والشافعي إلى منع اشتراط الزيادة على ثلاثة أيام، أو أقل منها، مما يحدانه. لكن إن اشترطا الزيادة على ثلاثة أيام، فإنهما اختلفا في صحة هذا البيع إذا أسقط المشتري المشترط للثلاث خياره فيما زاد عليها، والثلاث لم تنقض. فرءاه أبو حنيفة مما يصحح هذا العقد. وأجرى ذلك مجرى الشروط التي يصح العقد إذا أسقطت كالبيع والسلف في القول المشهور عندنا.

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٢٣٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ٢٣٢