اضمن لي سلعتي هذه سنة، وأنا أعطيك كذا وكذا دينارا. لأن هذا من الخطر، وربما اقتضى أكل المال بالباطل، على ما تقدم بيانه في مواضعه. فإذا كان هذا ممنوعا، تصورت التهمة في قصد المتبايعين إليه بأن يكونا أظهرا بيع الخيار وأبطنا بيع البت. وإذا وقع بيعهما في الباطن على البت، وأظهرا الخيار تحيلا على أن يبقي الضمان على البائع بالخيار مدة طويلة، صار ذلك معاوضة عن ضمان مجرد، وقد ثبت المنع من ذلك، كما أشرنا إليه. وهذه الطراق التي ذكرناها من اختلاف الإشارات إلى كونه مناسبا للأصول أو مخالفا لها، وإذا كان مخالفا لها ما سبب الرخصة فيه، قد تتعلق بها مسائل نحن ننبهك عليها فيما بعد، إن شاء الله تعالى.
والجواب عن السؤال الثالث أن يقال: أما الخيار فإنه يشترط لأحد ثلاثة أغراض.
أحدها: اختبار المبيع. كمن اشترى عبدا فأراد اختبار نشاطه في الخدمة
وأمانته وطاعته فيما يؤمر به. أو اشترى دارا وأراد اختبار حال جيرانها إلى غير ذلك مما يفتقر إلى اختباره في المبيعات.
والثاني: أن يشترط الخيار استقصاء للنظر والبحث عن الثمن، هل هو غال أو رخيص؟
والثالث: أن يشترط، مع الإستغناء عن الإختبار للثمن والمثمون، للنظر فيما يتعلق بالمبيع من البواعث على إمضاء البيع أو رده.
وهذه الأغراض تمس الحاجة إليها. فلأجل ذلك أباح الشرع اشتراط الخيار.
فأما جواز اشتراط الخيار للمشتري فلا خلاف فيه.
وأما جواز اشتراطه للبائع، ففقهاء الأمصار وجمهور العلماء على إجازته، لكون البائع قد تدعو الحاجة إلى أن يشترط الخيار للاختبار، هل هو غابن أو مغبون، أو ليحسن نظره في إمضاء عزيمته على البيع أو رده. وأما لاختبار المبيع، فلا حاجة به إلى ذلك.
وذهب ابن شبرمة والثوري إلى المنع من اشتراط البائع الخيار. ورأى الثوري أن اشتراطه الخيار يفسد البيع.
وما أرى هذين ذهبا إلى هذا المذهب إلا بناء على أن الأصل يقتضي المنع من بيع الخيار لما قدمناه. ولكن رخص فيه للضرورة إليه. والضرورة تتحقق، في جهة المشتري، وتتضح، لحاجته إلى اختبار المبيع، هو أكثر في الأغراض التي يشترط لأجلها الخيار. والبائع لا حاجة به إلى اختبار المبيع إذا طال مقامه عنده. فإذا لم تكن به حاجة إلى هذا الغرض الذي هو الأكثر، وجب منعه من ذلك، لارتفاع علة الترخيص في حقه. أو يكونا رأيا أن الشرع إنما ورد بإباحة الخيار للمشتري في حديث المصراة، وهو قوله عليه السلام "فمن اشتراها فهو بخير النظرين -ثلاثا-" (1) الحديث، كما وقع. وسنذكره في موضعه، إن شاء الله تعالى.
وكذلك ما جعله عليه السلام لحبان بن منقذ لما قال له: "إذا بايعت - فقل لا خلابة" (1) وذلك للخيار -ثلاثا- لكن هذا الحديث إن حملوه على أن المراد به بايعت بمعنى اشتريت، لكونهما عثرا على قصة تشكى الغبن فيها وهو مشتر، أو لغير ذلك، كان الإستدلال به مثل حديث المصراة. وإن لم يكن الأمر كذلك، فقدله: بايعت، يقتضي عمومه كونه بائعا أو مشتريا. ويتضمن عمومه جواز الخيار للبائع، على ما سننبه عليه في موضعه إن شاء الله تعالى.
وإذا تقرر أن اشتراط الخيار إنما سمح به لأغراض، أحدها: الحاجة إلى اختبار المبيع. فإن اختباره يحوج إلى تسليم المبيع للمشتري، إذ لا يمكن اختباره في غالب الأمر وهو في يد البائع. فإذا بين المشتري للبائع أن غرض في اشتراط الاختيار الاختبار، مكن من قبض المبيع، وصار ذلك كالشرط على البائع. وإن بين له إنما اشترطه ليرى رأيه في إمضاء عزيمته لا لاختبار المبيع، فإنه لا يسلم إليه لكونه لا حاجة به، والحالة هذه، إلى قبض. ولا يلزم البائع أن يخرج ملكه من يده من غير حاجة المشتري إليه.
وينبغي إذا اختلف الحكم في تسليم السلعة إليه أن يبين حين العقد الغرض في اشتراط الخيار لئلا يتنازعا في تسليم السلعة. فإن لم يبين ذلك حين العقد، فإن بعض أشياخي رأى أن الحكم أن لا تسلم السلعة للمشتري, لأن ظاهر اللفظ في قوله: أشتري لي منك بالخيار، يقتضي أن الخيار في إمضاء العقد أو رده.