وأما مسلك القياس والنظر، فإن أصحاب الشافعي يرون أن الشرع إنما أباح التجارات لما فيها من الأرباح والفوائد، وهي المقصود منها. والغبن فيها محاذر مجتنب. وكثير ما يقع من الإنسان إمضاء وعزم من غير روية وإمعان في الفكرة، ثم يثوب إليه أنه غلط فيندم. فوسع الشرع هذا المضيق، بأن جعل
للنادم الخيار ما دام في المجلس، وجعل غاية هذا المجلس كأوله، وقد كان أوله قبل انعقاده كل واحد منهما بالخيار، فكذلك غايته وآخره.
وأجابهم الآخرون عن هذا بأن هذا الندم يمكن الإنسان أن يتحرز منه بأن يجود رؤيته قبل أن يلتزم البيع. فإن لم يفعل فهو المفرط في حال نفسه. ولا حاجة إلى تحسين الشرع النظر له. ويمكن أيضا إن بادر للعقد قبل الرؤية (1) أن يشترط فيه الخيار. فتركه اشتراط الخيار تفريط في الحزم أتى من قبله، ولم تدعه ضرورة مع هذا إلى أن يحسن الشرع النظر له. ومن فرط في هذا فرط في خيار المجلس، وإن جعله الشرع إليه.
وقد استدل أصحابنا وأصحاب أبي حنيفة عليهم بأنهم لا يثبتون خيار المجلس في النكاح وإن كان عقد معاوضة. وهم يجيبون عن هذا بما قدمناه من أن القصد بإثبات خيار المجلس تلافي الندم على الغبن. وهذا إنما يعرض في الأموال، وأما النكاح فالمراد به الأعيان، بدليل أن من وكل رجلا على إنكاحه، فإنه لا بد من إعلام المرأة به. ومن وكل رجلا على شراء سلعة، فإن العقد يصح وإن لم يعلم البائع بالموكل. وما ذلك إلا لكون الغرض في النكاح الأعيان، وفي البياعات الأثمان. وإذا كان الغرض الأعيان سقط اعتبار الغبن في الأثمان.
فلهذا لم يثبت في النكاح خيار المجلس. ألا ترى أن الخيار المشترط يثبت في البياعات، ولا يجوز في النكاحات. فكذلك خيار المجلس يجوز في البيع ولا يثبت في النكاح.
وناقضهم أصحابنا بالكتابة لما أسقطوا فيها خيار المجلس. ثم هم يجيبون عن هذا بأن السيد باع ماله بماله، وليس هذا حقيقة البيع. فإذا سامح بمثل هذا التفريط، لم يظن به قصد النظر في العوض والندم على الغبن. والمكاتب له أن يعجز نفسه إذا ندم (أو لم يندم) (2). فلهذا عندهم سقط خيار المجلس في الكتابة.
والجواب عن السؤال الثاني أن يقال: اختلف في بيع الخيار، هل هو أصل من الأصول في نفسه، أو رخصة خارجة عن الأصول؟ فمن الناس من يشير إلى أنه أصل في نفسه مناسب للأصول, لأن القصد بإباحة المعاملات والتجارة طلب الربح وتحصيل الفوائد. وإنما تحصل الأرباح والفوائد مع نفي الغبن في البيع في حق المغبون. فإذا جعل له الخيار فيما عقده على نفسه من بيع، كان ذلك أقرب إلى تحصيل المقصود بالتجارة من طلب الفوائد والأرباح، ونفي الغبن عن المغبون إذا ظهر له في مدة كونه مخيرا أنه قد غبن ففسخ البيع (1).
فهذا معنى مناسب للأصل الذي وضع في التجارة.
ومنهم من يشير إلى أنه كالرخصة الخارجة عن الأصول. وذلك أن الغرر نهي عنه في البياعات. وإثبات الخيار وإباحة اشتراطه في عقد البيع يحدث في البيع غررا.
وإلى هذه الطريقة أشار مالك، رضي الله عنه، فقال، في علة منع اشتراطه (2) أجل طويل في الخيار: لا يدري كيف تكون السلعة عند انقضاء أمد الخيار ولا كيف ترجع إليه. ومراده بهذا أن الأجل إذا كان طويلا مثل أن يبيع عبدا بشرط الخيار سنة أو سنتين، فإنه لا يدري كيف يكون العبد عند انقضاء السنتين، هل يحدث به عيوب فيرده المشتري وقد نمى (3) في يديه؟ وكذلك إذا كان الخيار للبائع، فإنه لا يدري المشتري، هل يمضي البائع البيع؟ وقد يقر (4) العبد بنقص كثير. وهذا يصير حالة الإمضاء للبيع كالمعاقدة على أمر مجهول، فالجهالة بالبيع تفسد العقد.
ومن الناس من يشير إلى أن بيع الخيار يخرج العقد عن مقتضاه. وذلك
أن مقتضى العقد التتميم وانتقال الملك من البائع إلى المشتري. والملك المطلق يقتضي جواز التصرف المطلق. وبيع الخيار يمنع من تصرف من لا خيار له في المبيع. فإذا ثبت أن البائع إذا اشترط على المشتري أنه لا يتصرف في المبيع أبدا، أن هذا الشرط يفسد البيع، فكذلك يجب أن يكون إذا اشترط عليه المنع من التصرف مدة محدودة. لكن الشرع استثنى ما قل (1) (من المدة لمسيس الحاجة إليه، وكونه من مصالح العقود، وإبقاء المدة الطويلة على أصلها في المبيع على علة هؤلاء، وكذلك أيضا على) (1) طريقة مالك، رضي الله عنه، في التعليل. فإنه إذا علل بالغرر وصح تصور الغرر في المدة الطويلة وكثرت المخاطرة فيها، وقل الغرر في المدة اللطيفة، والغرر القليل معفو عنه في الشرع. وأشار أشهب من أصحابنا إلى طريقة أخرى في التحليل. وذلك أنه قد تقرر أن الضمان لا يصح أن يؤخذ عنه عوض، مثل أن يقول إنسان لآخر: