تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الفور. وبعض أصحابنا يشير أيضا إلى أن الافتراق يسقط خياره.

وقد اختلف المذهب عندنا على قولين في التمليك، هل يثبت للمرأة بعد الافتراق من المجلس، على ما سنبينه في موضعه إن شاء الله تعالى.

وقدح في هذا التأويل بأن الحديث يقتضي كون الخيار لكل واحد من المتبايعين مثل ما هو لصاحبه.

وهذا التأويل خروج عن ظاهر الحديث. لأن هذا المتأول جعل الخيار في المجلس للبائع الذي أوجب البيع بمقتضى ما أوجبه الشرع من خيار المجلس، وجعل للمشتري الخيار بمقتضى ما جعله البائع له.

فطريق التخيير مختلفة، والحديث يقتضي تساويها (1) وأيضا فإنه عليه السلام، علق هذا الخيار بتلازمهما، وجعل غاية سقوطه افتراقهما. ومقتضى هذه الغاية أن تكون بخلاف ما بعدها, ولا تكون خلاف ما بعدها إلا بأن يكون الافتراق يوجب البيع ويرفع الخيار منه، وما قبلها يثبت الخيار فيه.

وهذا المتأول جعل الافتراق يوجب ارتفاع البيع وكونه غير لازم، مثلما كان قبل الإفتراق غير لازم، وهذا إبطال لمقتضى دليل الخطاب، وما هو كالغاية فيه، لا سيما وقد وقع في بعض الطرق: "فإذا افترقا فقد وجب البيع". وهذا كالنص على فساد هذا التأويل.

وقد اختلف في تأويل قوله - صلى الله عليه وسلم - في بعض طرق هذا الحديث "المتبايعان بالخيار ما لم يفترقا إلا بيع الخيار". ما المراد بهذا الإستثناء؟ فقال أصحاب الشافعي: المراد به التخيير في المجلس. فإذا رضي المخير بالإمضاء، لم يكن له الفسخ، وإن لم يفترقا، على حسب ما قدمناه من مذاهبهم في هذا. وقال أصحابنا: إنما المراد به البيع المشترط فيه الخيار، فإن الخيار يثبت فيه إلى الأمد المضروب الذي حداه ولو افترقا بالأقوال أو بالأبدان. وأنكر أصحاب الشافعي هذا التأويل بأن قالوا: الأصل في الإستثناء أن يكون ما بعد حرف الإستثناء مخالفا لما قبله. فإن كان الذي قبله إثباتا، كان ما بعد حرف الإستثناء

نفيا، وإن كان ما قبله نفيا، كان ما بعده إثباتا. والذي كان قبل هذا الحرف المذكور في الحديث إثبات الخيار، فلا يكون ما بعد حرف الاستثناء إثباتا للخيار أيضا. وإنما تصح حقيقة الإستثناء إذا كان المراد بقوله: إلا بيع الخيار، أن يقول أحدهما لصاحبه: اختر. فإنه إذا قال له ذلك واختار الإمضاء، لزمه البيع وارتفع خياره. فيكون هذا استثناء نفي من إثبات. وأصحابنا وأصحاب أبي حنيفة يصرفون هذا الإستثناء إلى مضمر، وتقدير الكلام ما لم يفترقا، فإنهما إذا افترقا لزمهما البيع إلا في الخيار المشترط فيه أياما، فيكون استثناء نفي من إثبات. ولكن بعض (1) إظهار ما أضمر مما يقتضيه هذا الكلام.

ومن المتأولين من تأول تأويلا آخر، فقال: المراد بقوله كل واحد منهما بالخيار في الإقالة، لا في الفسخ من غير رضي صاحبه. بدليل ما وقع في الحديث الآخر: ولا يحل له أن يفارقه خشية أن يستقيله.

فصرح ها هنا في هذا الحديث بالإقالة، وكنى عنها في الحديث الآخر. وأنكر هذا المتأول (2) هذا التأويل بأن الاستقالة ممكنة قبل الافتراق وبعد الافتراق، وحلال قبل الافتراق وبعد الإفتراق على حد سواء. وإذا كان الأمر كذلك، صار التقييد بالإفتراق لغوا لا فائدة فيه.

وأشار بعض أصحابنا إلى الانفصال عن هذا بأن فيه فائدة، وهي كون البيع لازما بالقول حتى يفتقر في حله إلى الإستقالة، ووقع النهي عن الفرار خوفا منها.

وأشار القاضي أبو الفرج من أصحابنا إلى معنى آخر، وهو أن الإقالة في المجلس سنة، لكون الإفتراق لم يحصل، والمشتري لم يغب على السلعة.

فتكون الإقالة في هذه الحالة سنة، وبعد الإفتراق فضيلة. وقد تختلف مراتب المندوب إليه، فيكون بعضه سنة وبعضه فضيلة، على حسب ما تقدم بيانه في كتاب الصلاة.

وأصحاب الشافعي يعكسون هذا التأويل ويرون أن المراد بالإقالة ها هنا الفسخ، الذي جعله له الشرع ما دام في المجلس. والمراد بالحديث نهي أحدهما عن أن يفر من صاحبه مخافة أن يفسخ البيع عليه. فهؤلاء حملوا لفظ الإقالة ها هنا على الفسخ. والآخرون حملوا لفظ الفسخ على الإقالة، كما حكيناه عنهم. فيفتقر ها هنا إلى الموازنة بين هذين التأويلين، أيهما أرجح وأظهر في مقتضى السياق وحكم اللغة، ويصار إليه؟ وهكذا ما قدمناه من التأويلات الأخر، فتفتقر إلى الموازنة فيها بحسب ما ذكرناه. فقد قال أصحاب مالك وأصحاب أبي حنيفة للشافعية: أنتم أثبتم الخيار في المجلس بعد أن وقع التبايع وانقضى. وتسمية من كان باع: بائعا، مجازا (1). كما دافعتمونا عن تأويلنا بأن تسمية المتساومين: متبايعين، مجازا (1). فقال أصحاب الشافعي: تجوزنا نحن من جهة واحدة، وتجوزتم أنتم من جهات. وكلما قل المجاز وقرب من الحقيقة، كان أولى. فهذه النكتة، التي نبهناك إليها ترجح هذه المذاهب والتأويلات، وهي التي تحكم في هذه المذاهب والتأويلات. وقد أشرنا إليك بما عندنا في ذلك وإلى ما ينحصر الأمر إليه فيها. وبالجملة فالنصوص في أعيان الحوادث لا تدافع بعمومات فيها احتمال. والتأويلات التي يسبق إلى النفس خلافها ويقع فيها تعسف واستكراه لا ينبغي يعدل (2) إليها، ويترك ما هو السابق إلى اللهم من الكلام والأظهر فيه في حكم اللغة. وقد استقصينا تتبع ما قيل في هذا الخبر.

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٢٢٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ٢٢٩