تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

للآخر فيه. فإن نكل الآخر عن اليمين على النصف الذي في يده حلف الأول يمينا أخرى: أنه لهه، بعد نكول الحائز. ومنهم من منع هذا التخريج والاستقراء، وقال بأن كل واحد حائز لما في يديه، فلا يحسن أن يحلف أحدهما على النصف الذي في يد الآخر قبل نكول الآخر عن اليمين عليه، والمتبايعان إنما يحلفان في صفة عقد، وهما متساويان في كون كل واحد منهما مدع ومدعى عليه، فحسن ها هنا أن يلزم يمينا واحدة على النفي والإثبات، على حسب ما قدمناه. فأنت ترى اختلاف الشافعية هل يحلف يمينا واحدة يجمع فيها بين نفي وإثبات، أو يحلف يمينين: الأولى منهما على النفي، فإذا نكل صاحبه عن اليمين حلف يمينا أخرى على ما أثبت. فيقول أولا: بالله ما بعتك بعشرة. لأنه هو الذي نفى من قول صاحبه، ويقتصر على هذا. ثم يقال لصاحبه: احلف أنت أيضا على أنه ما باعك بإثني عشر. فإن حلف، قيل للبائع: احلف على أنك بعت بإثني عشر، ثم يقال للمشتري: احلف على أنك اشتريت بعشرة؛ ويتفاسخان. ومن نكل منهفا عن اليمين عاد صاحبه إلى اليمين على ما نكل هذا عنه.

وشيخنا أبو الحسن لم يورد هذا الخلاف الذي أشار إلى إسناده إلى أصحابنا، على مقتضى عادته، على هذه الصفة التي أوردناها عن أصحاب الشافعي، وإنما قال: واختلف هل يحلف أحدهما على النفي أو على الإثبات؟ وبين أصحاب الشافعي أيضا اختلاف فيما تقدم في اليمين مرة واحدة، واليمينين: هل اليمين على النفي أو على الإثبات؟ فانفروإلاصطخري منهم بأن قال: يبدأ بيمين الإثبات؛ لأن الله تعالى بدأ في اللعان بها، وهو عندنا أيمان الزوج، وهو المثبت للزنا على زوجته. وقال أكثر أصحاب الشافعي: بل يبدأ بيمين النفي؛ لأنها هي التي يقضى بها في الأصل لورود الشرع بتحليف المنكر، وتكليف المثبت البينة.

وهذا عندي أولى على ما فرضته من التعليل من كون يمينه على الإثبات

خارجة عن الأصول؛ واعتذرنا عنها بأنها. إنما حسن إخراجها عن الأصول لإسنادها إلى يمين النفي، لئلا يلحقه ضرر بتكرير اليمين، فاقتضى هذا كون اليمين على الإثبات تبعا، ومستندة إلى تمييز النفي، ومن المستنكر أن يبدأ بالتابع على المتبوع.

وأما ما احتج به الاصطخري من بداية الله سبحانه في اللعان بالزوج فقد ينفصل عنه عندي بأن اللعان فيه اختلاف: هل هو قائم مقام الشهادات، ولهذا كرر أربع مرات حتى يكون كأربعة شهود على الزنا، أو قائم مقام الأيمان؟ وإن قلنا: إنه قائم مقام الأيمان، فقد يقال في هذا: إن اللعان إنما ورد به الشرع لحفظ الإنساب، وكون الزوج لا يلحق به ولد ليس من ظهره. وإذا كان لهذا شرع، وهو مقصود الشرع، فالزوجة كالمدعية على الزوج إلحاق نسب به، وهو ينكره، فلهذا بدىء لكونه مدعى عليه في النسب. فلم تخرج هذه المسألة عن الأصول. هذا الذي يظهر لي، وللنظر في هذا مجال، ولعلنا أن نبسط هذا عند كلامنا على قذف الزوج، ولعانه لنفي الحد لا لنفي النسب، فإن هذا الوجه إذا قيل بأحد القولين فيه تطلبنا انفصالا آخر عما قاله الاصطخري. أو يقال: إن المقصود في الشرع ما ذكرناه من نفي النسب، وهذا الوجه الذي هو نفي الحد تبع له.

وأما الوجه الثاني وهو الكلام على من يبدأ باليمين من هذين المتبايعين المختلفين، فإن المذهب عندنا على قولين: بدأ في المدونة البائع باليمين: وفي كتاب تضمين الصناع من المدونة تبدية ورثة المشتري باليمين إذا تجاهلا هم ورثة (1) البائع الثمن. وهكذا بدأ في المستخرجة باليمين إذا اختلف هو والبائع في الثمن. وبتبدئة المشتري قال أبو حنيفة.

والمشهور عن الشافعي تبدية البائع، وهكذا ذكر الشافعي في اختلاف المسلم والمسلم إليه في مقدار السلم أن البائع، وهو المسلم إليه، يبدأ. وهكذا ذكر في اختلاف السيد مع عبده في الكتابة أن السيد يبدأ باليمين. لكن ذكر في اختلاف الزوجين في مقدار الصداق أن الزوج يبدأ. فبعض أصحابه أضاف إليه قولا آخر في اختلاف المتبايعين أن المشتري يبدأ باليمين، كما حكينا ذلك على أحد القولين في المذهب عندناة وبعضهم منع من هذا الاستقراء وقال: بأن الشافعي إنما بدأ البائع لأنهما إذا تحالفا رجعت سلعته إليه، فكان أولى بالتبدية لرجوع المبيع إليه، والزوجان إذا اختلفا في مقدار الصداق وتحالفا فإن الزوج يقضى عليه بصداق المثل ويبقى البضع له كما بقيت السلعة للبائع بعد التحالف.

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٢٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ٢٢