وقد حاول أصحابنا أن يستنبطوا من هذه الزيادة التي وقعت في بعض طرق الحديث مناقضة الشافعي واستدلالا عليه. فقالوا: إذا تعاقدا البيع بالقول، فقد تراضيا به، فإن لم ينفع هذا التراضي ما داما في المجلس، فلا ينفع التراضي بإمضاء البيع بعد قول أحدهما لصاحبه: اختر. لأن كلا القولين تراض، والمجلس لم يفترقا منه.
وينفصل أصحاب الشافعي عن هذا بأن إسقاط الخيار والتراضي بذلك بعد
وجوبه، بخلاف التراضي الأول الذي لم يتقدمه وجوب خيار، فتراضيا بإسقاطه.
وعندي أن لهم أن ينفصلوا عن هذا أيضا بأن خيار المجلس جعل تلافيا للندم على ما يقع من غبن، فأثبته الشرع توسعة على النادم، لكونه قد يبادر الالتزام من غير روية. فإذا قرر عليه الأمر وقيل له: تثبت في أمرك، وتأمل حالك في البيع، فإن كنت مغبونا فرد البيع، فإنه لا يجاوب حينئذ باختيار إمضائه إلا وهو على بصيرة فيه.
وأما من سلك مدافعة الحديث باستحالة تصوره في بعض البياعات، كقول أبي حنيفة: أرأيت إن كانا في سفينة؛ فإن أصحاب الشافعي ينفصلون عنه بأن السفينة إن كانت كبيرة أمكن فيها افتراقهما بالأبدان، وإن كانت لطيفة، أمكن أن يخير أحدهما صاحبه فيختار الإمضاء، فيلزمه ذلك. وإن لم يفترقا. وكذلك
ينفصلون عن شراء الإنسان لمن في ولأنه (1) ممن هو في ولأنه (1) بأنه يختار الإمضاء بعد الإستيجاب، فيرتفع الخيار، أو يفارق مكانه وينتقل عنه، فيكون ذلك كالمفارقة بالأبدان بين اثنين لما كان هو عقد (2) على اثنين، فجعل انتقاله عن مكانه محل اثنين عن مكانهما.
وأما من سلك طريق التأويل، فإنهم اختلفوا أيضا. فالأكثر منهم على أن المراد ها هنا بالمتبايعين المتساومان، واستشهدوا على جريان هذه التسمية عليهما بقوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا يبع أحدكم على بيع أخيه" (3). والمراد أنه لا يسم على سومه، بعد التراكن إلى البيع. قالوا: والمراد أيضا بالافتراق ها هنا افتراقهما بالأقوال، بأن يقول البائع: بعتك بكذا، فيقول المشتري: قبلت. واستشهدوا أيضا على جريان هذا اللفظ على الإفتراق بالأقوال بقوله تعالى: {وما تفرق الذين
أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة} (1). والمراد افتراقهم بالأديان والمذاهب.
وبقوله جل ذكره في الزوجين: ﴿وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته﴾ (2).
والمراد ها هنا الإفتراق بالطلاق لا بالأبدان.
وقد أجيب عن هذا بأن هذا إنما يستعمل مجازا، وقد وقع في بعض طرق الحديث ما لم يفترقا من مكانهما (3). وذكر المكان إشارة إلى الإفتراق بالأبدان.
وأجيب عن حمل الحديث على المساومة بأن هذا تجوز في العبارة، وإنما التحقيق اشتقاق اسم الفاعل من فعله، إذا وجد، كقولنا: شاتم وضارب، فإنهما إنما يسميان بذلك إذا وجد الضرب والشتم، لا قبل وجود ذلك. واستشهدوا على هذا أيضا بأن من قال لعبده: إن بعتك فامرأتي طالق، فإنها لا تطلق عليه بالمساومة في العبد. فلو كانت المساومة بيعا لوقع الحنث.
وأجاب بعض أصحابنا عن هذا بأن الحنث إنما لم يقع ها هنا لأجل أنه علقه بفعل يقع لما قال إن بعتك، والمساوم لم يبع. وأشار إلى أنه لو قال للمتساومين إن كنتما متبايعين فامرأتي طالق، لحنث في يمينه. وهو الذي قاله في التحنيث بقوله: إن كنتما متبايعين فيه نظر، وتفصيل حكمه مما قدمناه في
كتاب الإيمان والنذور.
وسلك آخرون طريقة أخرى في التأويل فقالوا: المراد أن أحدهما أوجب البيع على نفسه بأن قال البائع: أوجبت على نفسي أن أبيعك بكذا. فإن المشتري يخير بين القبول أو الرد، ما داما بالمجلس، ولو أقاما فيه اليوم واليومين. فإذا افترقا ولم يقبل المشتري، سقط ما كان له من الخيار بالافتراق بالأبدان. وقيل: الإفتراق لا يسقط خياره عند أصحاب أبي حنيفة. وإن كان أصحاب الشافعي يسقطون خياره وإن لم يفترقا من المجلس إذا لم يقبل من البائع ما جعل له على