ومنهم من يشير إلى الإستدلال بقوله تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود﴾ (5).
هذه جملة ما يتعلق به أصحاب هذه الطريقة. فاعلم أنهم إن (6) تعمقوا في معانيهم، فإنهم لم يصب شيء من مراميهم. والإنصاف يمنع من أن يكون يترك حكم مسئلة من النبي - صلى الله عليه وسلم - من كلام أورده مختصا بها (معلقا حكمها من) (7) كلام آخر قصده ببيان معان أخر لا تدخل هذه المسئلة فيها إلا بحكم العرض أو الاتفاق أو دعوى عموم بعد ادعاؤه. وجميع ما أوردناه عن أصحاب هذه الطريقة هذا شأنهم فيه. كيف يتعلق بنهيه عليه السلام عن بيع الطعام قبل أن يستوفى،
والغرض بيان الشرط الذي يجوز معه البيع وهو الإستيفاء. والبيع يقع غالبا بعد الإستيفاء والإفتراق. فحمله على المقصود بيانه أو الغالب اعتياده يمنع من أخذ حكم خيار المجلس منه. هذا ولو ادعينا عمومه كيف يعدل عن لفظ يختص بالمسئلة إلى لفظ يعمها ويعم تغيرها، مع كون هذا مخصصا للعموم؟! وهكذا التعلق باختلاف المتبايعين في الثمن وحكم مال العبد، إلى غير ذلك مما ذكرناه من آي القرآن القصد بها بيان ما نزلت فيه من إباحة التجارة على الجملة والتوثق بالإشهاد خوفا من التجاحد بعد الإفتراق أو من الاختلاف في الثمن قبل الإفتراق، إلى غير ذلك مما يعلم مما نبهناك عليه.
وأمثلها التعلق بقوله تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود﴾. ولكن هذا عموم في كل عقد. وحديث ابن عمر خاص في هذا العقد مع الإفتقار إلى تسمية هذا عقدا، مع ورود الحديث بأن العقد إنما يحصل بعد الإفتراق. وهكذا ما تعلق به أشهب من قوله عليه السلام: "المسلمون على شروطهم". وهو عام أيضا، إن سلمنا كون البيع شرطا، فيخص بحديث ابن عمر.
والاستدلال على ثبوت ناسخ مجهول بالعمل لا حقيقة له، إذا (1) لم يقل بأن عمل أهل المدينة حجة بمجرده، على حسب ما حكي عن مالك على ما ذكر من تأويله في كتب أصول الفقه, لأن المراد بهذا عمل بعض الأمة وعمل بعضهم ليس بحجة. وقد كنا حكينا عن خمسة من الصحابة، رضي الله عنهم، ذهابهم إلى خلاف ما زعم هؤلاء أن العمل وقع به. وتابعهم على ذلك من التابعين الحسن وابن المسيب، ومن الفقهاء الزهري وابن شهاب (2) والثوري وأحمد وإسحاق. وقد عمل بهذا الحديث راويه وهو ابن عمر وعمل الراوي بالحديث موجبه (3) مع مشاهدته للنبي - صلى الله عليه وسلم -، ومعرفته بسياقة قوله، وقرائن أحواله فيه، أولى أن يقتدى به من عمل غيره.
وأما الإستدلال بما ذكرناه عن يحيى بن أكتم، إن سلم له الإجماع، فما ذلك إلا لكون البائع إذا تصرف فيما باع بحضرته ولم ينكر، صار كمن خير في الفسخ أو الإمضاء فاختار الإمضاء. وقد ذكرنا أن في بعض طرق الحديث أنه عليه السلام قال: "المتبايعان بالخيار ما لم يفترقا أو يقول أحدهما لصاحبه اختر" (1) على حسب ما وقع في هذه الرواية.
وقد قال الشافعي: إن معنى هذا أنه إذا خير أحدهما صاحبه، وهو بالمجلس، بين أن يمضي البيع أو يرده، فاختار الإمضاء، فإنه يسقط ما كان له من خيار المجلس. وتعدى هذه المرتبة بعض أصحابه فقال: وكذلك لو تعاقدا البيع على أنه لا خيار لأحدهما، وإن لم يفترقا، فإن ذلك يبطل خيار المجلس.
فإذا كان من مذهب القول هذا، فإن لهم أن يقولوا: إنما جاز شرب الماء قبل الإفتراق، على حسب ما قدمناه، لكون البائع كالمسقط لخياره.
ومذهبنا أن إسقاط الخيار يمنع من ثبوته في المجلس. ولا شك أن إسقاط الخيار بعد الإستيجاب بالقول منهما جميعا آكد من إسقاطه في حين التعاقد، كما زعم بعض أصحاب الشافعي. لأنه يعد الإستيجاب إسقاط خيار المجلس بعد وجوبه، وفي حين الإنعقاد إسقاط له قبل وجوبه، وإسقاط الشيء بعد وجوبه لازم كإسقاط الشفعة بعد وجوبها، وإسقاطه قبل وجوبه لا يلزم على مذهب جماعة من العلماء، كإسقاط الشفعة قبل وجوبها.