وأشار غير أشهب من أصحابنا ممن ذكرنا أنه سلك مسلكه في ادعاء النسخ إلى الإستدلال على حصول الناسخ من غير تعيينه. فذكر أن هذا مما يتكرر. ولم ينقل عن أحد من العلماء الماضين الذين ينتهى إلى قولهم، ويحكمون في هذا أنه أثبت هذا الخيار ولا قضى به. ولو كان ذلك لنقل واشتهر. فلما لم ينقل ولم يشتهر دل ذلك على أن الحديث منسوخ. واكتفوا عن ذكر الناسخ يكون العمل مضى بخلاف هذا الحديث. وقد يشير كلام مالك رضي الله عنه، إلى هذا المعنى أيضا. وذلك أنه قال في الموطأ: وليس لهذا عندنا حد ولا أمر معمول به (2).
على أن أصحابنا اختلفوا على قولين في تأويل هذا الكلام:
فقال بعضهم: المراد به نفي التحديد عن الخيار المشترط في أصل العقد، والتنبيه على مخالفة أبي حنيفة والشافعي في ذهابهما إلى أن اشتراط الخيار من كل مبيع لا يجوز أن يكون أكثر من ثلاثة أيام. بل يختلف عنده الأجل المشترط في هذا باختلاف أصناف المبيعات، على حسب ما نذكره إن شاء الله تعالى.
ومنهم من ذهب إلى أن مراده بهذا أن خيار المجلس لم يرد فيه تحديد بوقت معلوم. قال ابن المعدل: لم يرد بهذا الطعن في الحديث، وإنما أراد به أنه لو كان هذا أمرا معمولا به لتشاغل الناس بتحديد هذا المجلس وتوقيت لزوم البيع. وقال المعامي: قد نهى عليه السلام عن بيع الحصاة، وهي لزوم البيع إذا
وقعت الحصاة من يده، ووقت وقوعها من يده مجهول، فكذلك يجب أن يكون خيار المجلس إذا علق انعقاد البيع فيه على أمر مجهول وقته، وينبغي أن يمنع كما منع بيع الحصاة.
ومنهم من أشار إلى الإستدلال بالعمل من طريقة أخرى. فقال يحيى ابن أكثم: قد أجمع المسلمون على أن المشتري لا يجوز له إذا اشترى شيئا على أن الخيار فيه للبائع، أن يتصرف فيه تصرفا يتلفه. ثم اتفقوا على أن المشتري من الساقي ما يشربه، أو المشتري طعاما يأكله له أن يشرب الماء ويأكل الطعام، وإن لم يفارق من باع ذلك منه. ولو كان لبائع الماء والطعام خيار في فسخ ذلك، لحرم على المشتري شرب هذا الماء وأكل هذا الطعام.
وسلك غيره هذه الطريقة معتمدا فيها على ظاهر القرآن، فقال: قال الله جل ذكره ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة ...﴾ (1) الآية. والتجارة تحصل بعقد البيع باللفظ وإن لم يفترق المتبايعان. وهذا الظاهر يقتضي إباحة الأكل حينئذ. فلو كان الخيار للبائع ما أبيح الأكل. وعلى هذا الأسلوب يجري الإستدلال بأنه عليه السلام نهى عن بيع الطعام قبل أن يستوفى (2). فدل ذلك على أنه إذا استوفي، جاز بيعه وإن لم يفترق المتبايعان. ولو كان الخيار للبائع لم يجز للمشتري أن يبيع طعاما الخيار في فسخه.
وعلى هذه الطريقة من الإستدلال يستدل بقوله عليه السلام: "من باع عبدا وله مال فماله للبائع إلا أن يشترطه المبتاع" (3). فاقتضى هذا كون المشتري يملك هذا المال بمجرد اشتراطه وإن لم يفارق بائعه، والملك لا يحصل إلا بعد انبرام البيع وانعقاده.
وقد استدل أيضا بقوله تعالى ﴿وأشهدوا إذا تبايعتم﴾ (1). فلو كان لكل واحد من المتبايعين فسخ العقد قبل الإفتراق، لم يكن للإشهاد فائدة. وهذا نحو ما ذكرناه من الاستدلال الذي أشار إليه مالك وأشهب بحديث اختلاف المتبائعين في الثمن. وأنه لو كان لكل واحد منهما خيار في فسخ البيع ما دام (2) بالمجلس، لم يكن لاستحلاف البائع فائدة.
ومن الناس من أشار إلى دفع هذا الحديث باستحالة هذا الشرط في بعض المواضع. فقال أبو حنيفة: أرأيت لو كانا في سفينة؟. وقال غيره: لو وقف انعقاد البيع على الافتراق بالأبدان، لم يصح أن يعقد الإنسان بيعا على (3) من هو في ولاية (4) لمن هو في ولاية (4)، أو يبيع شيئا من ماله لمن هو في ولأنه (4) لاستحالة أن يفارق الإنسان نفسه.