وأما إذا كانت هذه المواشي ليس من شأنها أن تعدو في زراع الناس فعدت على زروعهم، فإن مالكها يضمن ما أصابت ليلا، لأجل أن على أربابها صيانتها بالليل لكونهم يقولون حفظها (2) لأنفسهم ولئلا يؤدي الناس ولا حاجة بهم حينئذ إلى تسريحها، فضمنوا ما تلف بسبب إهمالهم لما لزمهم أن يصونوه ويحفظوه من مواشيهم. فإذا كان إفسادها نهارا، فإن بهم حاجة إلى تسريحها للرعي، وأرباب الزرع حينئذ أيقاظ يمكنهم حفظ زراعهم وطرد المواشي عنها، فإن لم يفعلوا صاروا هم كالمتلفين لزروعهم. وأصل هذه الموازنة بين الضررين. وقد اختلف حكم الليل والنهار لما وازن بين الضررين على حسب ما نبهناك عنه.
وقد اختلف على قولين في قرية أراد بعض أهلها أن يتخذ فيها حماما أو نحلا، وهو إذا اتخذها، أضرت ببعض ما تنبته الناس فيها، هل يمنع من اتخاذ هذه الحمام والنحل لكونه منعه من ذلك الضرر فيه أخف من الضرر في منع الآخرين من الإنتفاع بما أنبتوه من شجر وغيره؟ أو يباح اتخاذ ذلك فيها، ويؤمر الآخرون بطرد هذا الذي يضر بهم عن ثمارهم لكون هذا الضرر الذي تكلفوه من طرد هذا الطير أخف من منع أولئك من أن يتخذ في أملاكهم ما ينتفعون به؟
وقد ذكر ابن سحنون أن الحديث الوارد فيما أفسدت المواشي من الزراع من كون أرباب المواشي يضمنون ذلك نهارا ولا يضمنونه ليلا (1)، ليس على عمومه، وإنما المقصود به مدينة النبي، عليه السلام، وأمثالها مما لمزدرعاتها حيطان وحصائر تحصر بها، فيصير أهلها بما فعلوه من تحضير قد بذلوا الجهد في صيانة أموالهم. وأما ما كان مهملا غير محضر قال: كزرع السواحل، فإن أرباب المواشي يضمنون ما أصابت ليلا أو نهارا، لكون أهلها لم يتولوا صيانتها بالتحضير عليها، وإنما عولوا على ما أوجبه الشرع من تحريم إفساد مال المسلم والتسليط عليه. فإذا أتوا، أرباب المواشي، شاهدوا الزرع غير محضر عليه علموا أن مواشيهم إن سرحوها أفسدت الزراع، فإذا سرحوها ولم يمنعوها من الإفساد، صاروا هم المفسدين للزراع. والذي قدمناه لك من التنبيه على الموازنة بين الضررين هو المعتمد عندي في هذا الباب.
وذكر في المدونة أن من وصى في مرضه أن يشتري عبد ولده بثمن لم يحاب فيه، أن ذلك نافذ. وكذلك إذا أوصى أن يبتاع عبدا من ولده بقيمته ولم يحابه، والمحاباة ها هنا تعتبر في القيمة، وتعتبر في عين العبد، فإنه لا تنفذ وصيته إذا أوصى أن يباع منه عبد من خيار عبيده مما يتنافس فيه الورثة ويشحون عليه لعينه. وهذا يبسط في موضعه إن شاء الله تعالى.
ولو وصى أن يباع عبده من ولده، جرى الولد ها هنا مجرى الأجنبي، لكون هذه الوصية لا منفعة للولد فيها، وإنما منفعتها للعبد الموصى بعتقه. ولو قال: اشتروا عبده للعتق، لكان في ذلك اختلاف، لكون الولد يزاد على القيمة، فيصير انتفاعه وصية لوارث. أو يقدر أن القصد إعتاق العبد وخروجه من ملك الولد وتنفيذ الوصية. ولعلنا أن نبسط هذا في موضعه، إن شاء الله تعالى.
ونشير إليه أيضا في كتاب النكاح إذا زوجه ابنته في مرضه، وحمل عن الزوج
صداقها، فإن هذا الحمل أيضا فيه اشتراك بين ابنته، وهي وارثة، وبين زوجها، وهو غير وارث.
وذكر في المدونة من باع سلعة ورقم عليها ثمنا (1) أن مالكا شدد الكراهة فيه، واتقى فيه وجه الخلابة. ومعنى الخلابة التي أشار إليها ها هنا أنه إذا رقم على السلعة ثمنا ليس هو الثمن الذي اشتراها به، وباعها مساومة أو مرابحة بثمن دون ما رقم عليها، فإن في هذا تغريرا بالمشتري وخلابة وخداعا, لأنه قد يظن أن الذي أرقم عليها هو الذي اشتراها به لكنه حط منه على جهة الغلط منه، ولضرورة دعته إلى ذلك. والتدليس والتغرير في البياعات ممنوع.
نجز كتاب البيوع الفاسدة والحمد لله