تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولو شرط مثل هذا في الإقالة، لمضى الشرط. وكان البائع الذي سأل، بعد صحة البيع، في الإقالة، فأقاله المشتري على هذا الشرط مطلوبا بهذا الشرط. ومتى باعها كان المشتري المقيل أحق بها. وقد تقدم كلامنا على هذه المسئلة فيما مضى. وقد تعقب هذا في الإقالة أيضا. وإنما يعتذر عنه بأن الإقالة حل بيع على أحد القولين، وليست كابتداء بيع وطريقها المعروف.

ومما ألحق أيضا بالبيوع الممنوعة بيع الثنيا، وهو أن يبيع سلعة على أنه متى رد الثمن استردها، ثم أسقط البائع هذا الشرط. فقال مالك: هذا البيع كان أوله حراما ثم صار حلالا. قال ابن المواز: هذا إذا رضي المشتري. وظاهر قول مالك أن هذا البيع يصح بإسقاط هذا الشرط وإن لم يرض به المشتري، وألحقه ببياعات الشروط. وكأن ابن المواز استبعد هذا ورأى أن هذا الفساد راجع إلى الثمن، فلم يصح البيع بتصحيحه. كما لو باعها بثمن إلى موت زيد ثم عجله الآن. وقد أضيف إلى ما اشترطه ابن المواز من رضي المشتري كون المتبايعين تفاسخا العقد الأول. وقد كنا نحن قدمنا ذكر هذا، وسبب الخلاف فيه. فهذا حكم بياعات الشروط الفاسدة.

وقد كنا قدمنا أن الشروط المقارنة للبيع على ثلاثة أقسام، أحدها أن

يكون من مقتضى العقد كجواز التصرف. والثاني أن يكون من مصلحته.

ومثلنا هذا باشتراط الرهن والحميل في عقد البيع. وقد ذكر في المدونة في كتاب البيوع الفاسدة حكم اشتراط الرهن والحميل في عقد البيع، فاعلم أن ذلك يقع اشتراطه على وجهين:

أحدهما: أن يشترط في ذلك رهنا معينا أو حميلا معينا.

والثاني: أن يشترط رهنا غير معين أو حميلا غير معين.

فأما إن اشترط في ذلك رهنا معينا، فإنه إن كان الرهن والحميل حاضرين، جاز ذلك من غير خلاف. وكذلك إذا كان قريبين من مكان العقد. وأما إن كانا بمكان غائب بعيد من مكان العقد، فأما اشتراط هذا الحميل المعين الغائب، فإنه ممنوع. وأما اشتراط الرهن، فإن ابن القاسم أجازه، ومنعه أشهب إلا أن يكون الرهن بمكان قريب، مسافة اليوم واليومين.

فأما المنع من اشتراط حمالة رجل غائب بمكان بعيد، فإنه كاشتراط عقد بيع على خياره فيفتقر إلى انتظار ما عنده في هذا، فإن قبل مضى البيع وإن لم يقبل رد البيع. والأمد البعيد لا يجوز اشتراطه في بيع الخيار لما سنذكر في موضعه إن شاء الله تعالى. وكذلك اشتراط هذا الحميل لكون البيع موقوفا على ترقب ما يبدو منه في الحمالة، فإن التزمها نفذ العقد، وإن امتنع من الحمالة لم يلزم البائع البيع، وله ارتجاع سلعته، لكونه إنما باعها بشرط أن يتوثق بحمالة، فإذا لم يحصل له التوثق، صار كعيب في الثمن الذي باع به، فكان له رد الثمن وارتجاع ما باع. وإن شاء رضي بهذا العيب الذي هو عدم التوثق، وإمضاء البيع بغير حميل.

وإذا كان هذا البيع انبنى انعقاده على خيار الحميل بين التزام الحمالة أو ردها، ثم إذا لم يقبل الحمالة، كان الخيار. للبائع أيضا، كما ذكرناه، صار هذا بيعا مبنيا انعقاده على خيار إلى أمد بعيد. فإذا كان الحميل قريبا بمكان يمكن

أن يستعلم ما عنده في الحمالة في مسافة مقدارها مثل الأيام التي يجوز ضربها في بيع الخيار، جاز عقد البيع. فإن التزم الحمالة، نفذ العقد. وإن لم يلتزمها خير البائع بين إمضاء البيع بغير حميل أو ارتجاع سلعته، كما بيناه.

وأما اشتراط ارتهان شيء معين غائب بمكان بعيد، فإن أشهب يمنعه قياسا على منع اشتراط الحميل البعيد الغيب. وابن القاسم يجيزه قياسا على جواز العقد على سلعة غائبة. ويوقف المبيع حتى يعلم وجود الرهن كما يوقف ثمن السلعة.

ويفرق الحميل والرهن في هذا، فإن الحميل تجويز رضاه بالحمالة كتجويز امتناعه منها، فالغرر حاصل في ذلك. والسلعة الغائبة إذا اشترط ارتهانها، فلا يترقب فيها سوى طريان ما يتلفها. والأصل استصحاب ما كانت عليه من الوجود، والخروج عنه نادر. فلم يكن في ذلك من الغرر ما صورناه في الحميل البعيد الغيبة. لأن الحميل وقف البيع على خياره، فلم يجز في أمد الوقف ما لا يجوز في بيع الخيار. ولهذا نقول إن المبيع، على شرط أخذ حميل معين قريب المكان، إذا هلك، كان ضمانه من البائع. كما نقول في ضمان ما بيع على خيار نطق المتبايعان باشتراطه حين العقد أو لا. ولهذا أيضا قال بعض الأشياخ إن الذي ذكر في المدونة في حكم هذا الحميل يقتضي جواز بيع عقد على خيار مرتب على خيار آخر سبقه. ألا ترى أن الحميل ها هنا بالخيار بين التزام الحمالة أو ردها. فإن ردها خير البائع بين إمضاء البيع أو رده، على حسب ما ذكرناه. فكذا ينبغي إذا عقد بيع على خيار رجل معين، فإن لم يختر انتقل الخيار إلى رجل آخر. ولهذا أيضا نبه بعض الأشياخ على قوله في المدونة في هذه المسئلة: إذا باع بيعا أو أقرض قرضا على حميل معين، فقال: قد جمع ها هنا ما بين القرض والبيع، وهذا يتضمن جواز القرض بشرط الخيار. وإنما ذكرنا هذا تأكيدا لما أشرنا إليه من كون هذه السلعة جارية على أحكام عقد البيع على خيار.

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٢١٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ٢١٤