تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وإذا عقد العقد على حميل معين أو رهن معين، فإن المعروف من المذهب أن الحميل إذا مات قبل أن يقبل، والرهن إذا هلك قبل أن يقبض، وقد عقد الأمر فيهما على ما يجوز، فإن البائع بالخيار بين إمضاء البيع أو رده، كما لو اطلع على عيب في الثمن.

ورأى أشهب أن لا خيار للبائع كما لو هلك الرهن المعين بعد أن قبض، أو مات الحميل المعين بعد أن قبل. وأشار إلى أن ذلك إذا كان حاضرا أو قريب الغيبة كالمقبوض.

وهذا لا وجه له, لأن التمكين من الرهن والتزام الحمالة إذا لم يمكن ولا مضى زمن إمكان ذلك فيه، لم يصح أن يقدر كالمقبوض. ولو قدر كالمقبوض لوجب على مشتري سلعة غائبة بمكان قريب أن ينقد، وإن كان التسليم لا يمكن لأجل أن القرب يعد كالقبض، والمشتري إذا قبض وجب عليه نقد الثمن. وهذا التقدير لا يصح لكونه خارجا عن الأصول.

وإذا قلنا بالطريقة المعروفة من كون البائع لا يلزمه البيع إذا هلك الرهن قبل القبض وقبل أن يمكن منه، بل له الخيار في إمضاء البيع أو رده، فأراد المشتري أن يرفع خياره بأن يأتي برهن عوض الرهن المعين الذي تلف، أو بحميل عوض الحميل المعين الذي مات، فإن في هذا قولين:

أحدهما أن هذا لا يرفع خيار البائع لفقده ما عينه باشتراطه، فلم يلزم عينا أخرى، كما لا يلزم من اشترى سلعة معينة أن يأخذ عنها مثلها. وكأن من ذهب إلى التفرقة بين البيع والرهن في هذا يرى أن الغرض من الرهن والحميل التوثق. فإذا عوض عن شيء من هذا مثله وما يسد مسده، لم يكن لتخيير البائع معنى. لكن لو اختلف العرض في الرهنين بأن يكون أحدهما عبدا فمات، فإنه لا يلزم البائع أن يقبل عوضا منه ثوبا لكونه يضمن الثوب المرتهن ولا يضمن العبد المرتهن، وله غرض صحيح في إسقاط الضمان عنه. ولو كان الأمر بالعكس فكان الرهن ثوبا فهلك قبل قبضه فأراد أن يعوضه عنه عبدا، لأمكن

أيضا أن يكون له غرض صحيح في الإمتناع من هذا لما يتكلفه من حراسة العبد وما يتخوف من أذاه. فإذا اتضح ألا غرض يفرق بين الرهنين، لم يكن للخلاف الذي ذكرناه وجه سوى ما تقدم ذكرنا له فيما سلف من اشتراط ما لا يفيد في البياعات، هل من حق من اشترطه أن يقضى له به أم لا؟ وإذا وقع الرهن على وجه جائز، ووجب إيقاف المبيع لغيبة الرهن، وحدث بالمبيع عيب، فأراد مشتريه أن يقبله بعيبه لئلا يكون خسر الثمن والمثمون، ومنعه البائع من ذلك، واتهمه أن رضاه بالمبيع لأجل نفي الخسارة عنه، لجرى ذلك على القولين في الثمن الموقف لأجل أن المثمون غائب، ممن يكون ضياعه؟ على حسب ما سنذكره في موضعه إن شاء الله تعالى. وأما إذا كان الرهن أو الحميل غير معينين، فإن المشتري يجبر على إحضار رهن يكون توثقة بالحق، أو حميل كذلك. فإن امتنع فتنازع فيه المتأخرون، فقال بعضهم: يحبس في الحميل، لإمكان أن يكون يعلم من يتحمل به إذا سأله في ذلك، فلا يسأله, ونحن لا نعلمه. وأما الرهن فإنه لا يحبس فيه لإمكان أن يكشف عن صحته (1) ما ادعاه باختبار كسبه والإطلاع على ما عنده ومنهم من استنكر هذه التفرقة وتعلق بما وقع في المدونة من قوله: إن الرهن كالحميل.

ومنهم من صرف ذلك إلى الإجتهاد. فإن كان الظاهر أنه لد في ذلك حبس. وإن كان الظاهر عجزه، كما ذكرنا، لم يسجن، واستظهر عليه باليمين.

وقد أشرنا إلى أن الرهن إذا هلك بعد القبض، لم يلزم الراهن خلفه لكون الراهن قد وفي بما عليه من دفع التوثقة، فلا مطالبة عليه بضمان ما وفى به.

وأما إذا كان الرهن غير معين، فإنه إن دفع رهنا وهلك بعد القبض، فإنه قد تنازع في ذلك المتأخرون: هل يصير كالمعين بهذا التسليم والقبض فلا يلزم خلفه؟ أو يلزم خلفه كما يلزم خلف دابة سلمت في كراء مضمون؟ وتعينها

بالقبض لا يسقط مقتضى أصل العقد من ضمان إيصال المكتري إلى غاية المسافة.

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٢١٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ٢١٥