تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وإذا قيل بالمنع من هذا، فإنما ذلك لأن في اشتراطها في حين العقد وجها من الغرر، لكن عفي عنه لأجل الضرورة إليه وما فيه من المرفق، ولم تدع ضرورة إلى إحالة ذلك على فناء هذه الخلفة لأن ذلك في حكم المجهول، والغرر إنما يسامح به إذا لم يوجد معدل عنه.

والنوع الثالث ما يتتابع وجوده ولكنه لا تتميز بعض بطونه عن بعض كالمقثاة، فإنه تعلق اشتراط الخلفة بفنائها وذهاب إبانها، إذ لا يقدر على العدول عن ذلك بتعليق العقد فيها على عدد من البطون لعدم التمييز في البطون، ولا يصح تعليق الشراء فيها على التحديد بزمن. فقد منع في المدونة أن تشترى المقثاة وما تخلف شهرا. وعلل يكون اختلاف الهواء عليها يختلف معه حكم نباتها. ورأى بعض أشياخي أن هذا التعليل يقدح فيه جواز تعليق شرائها على فنائها وذهاب إبانها مع اختلاف الأهوية في ذلك أيضا. وقد ينفصل عن هذا عندي بأن اعتبار اختلاف الهواء في شهر بعينه يعظم التخاطر فيه، وإذا علق العقد على الجميع خف الغرر لاستيعاب أزمنتها. وقد علم وجه العادة في

حملها في جميع الأزمنة ولم يعلم عادة العمل في زمن بعينه في إبانها.

وقد أجيز شراء الموز وخلفته زمنا محدودا، ويشتري أيضا بطونا محدودة، خلاف المقثاة، لكون البطون لا يتميز فيها، والزمان فيه من الغرر ما أشرنا إليه. ولعل من أجاز ذلك في الموز رأى أنه لا يختلف الحال فيه باختلاف الأزمنة. وقد نص بعض الأشياخ على ما يطعمه أشجار التين في أول إثمارها مما يسميه أهل صقلية البيفر وأهل الأندلس الباكور، لا يجوز العقد عليه وعلى ما تخلفه تلك الشجر بعده من التين، لكون ذلك لا يتتابع في الوجود، بل يذهب زمن هذا الباكور وتبقى الأشجار بعده عارية، ثم بعد حين تطلع التين.

وهذا واضح لما قدمناه من الاتفاق على منع اشتراط ثمرة عامين.

والجواب عن السؤال الخامس أن يقال: أما شراء ما لم يشاهد، اكتفاء بما شوهد مما يشتريه، في أصل الخلقة، مثل أن يشتري من الثمار ما هو في جلباب وكمام، فإنه على قسمين:

أحدهما أن يشتري ما تحت الكمام، ويقصد بالعقد المأكول الذي تحته، فهذا لا يجوز أن يقصد بالشراء لب هذه الثمرة. كمن اشترى حب الرمان دون ما عليه من قشر، أو قلب الجوز واللوز دون ما عليهما من قشر، لكون المشترى ها هنا مقصودا بالعقد مغيبا غير مشاهد.

وأما إن اشترى هذه الأجرام على ما هي عليه، فإنه لا يخلو أيضا من قسمين:

أحدهما أن يشتري ذلك وعليه جلباب واحد من أصل الخلقة، لا يحفظه إلا هو ولا يمكن إدخاره إلا به، كالرمان، فإن ذلك جائز لأجل ما دعت إليه الضرورة من هذا، وكون العدول عنه إفساد للمال وإضاعة له.

ومنه ما يكون له جلبابان، كالجوز واللوز، إذا كان عليهما كمامان، والفول إذا كان في غلفه (التي نبت) (1) خضرا، فإن هذا أيضا يجوز، عندنا وعند

أبي حنيفة، العقد عليه، لكونه غير مقصود إلى التخاطر فيه. ويستدل على الأجرام المأكولة وأحوالها وهي في أكمامها. ومنع الشافعي من هذا. وقال الأصطخري من أصحابه وغيره: بجواز العقد على القول وهو في غلفه العليا.

ورد الشافعي هذا بأن اللحم منع من بيعه وهو مغيب في جلوده، مع كونه قد يعرف سننه من هزاله بالجس، فأحرى أن يمنع هذا في القول لكونه لا طريق له إلى معرفة علم ما في باطنه من صفة القول وجرمه وصفته التي يختلف الثمن باختلافها إذا انكشف له. واستدل المجيزون بأن الأعصار مضت في سائر الأمصار على ترك إنكار البيع لهذا في غلفه العليا، فصار هذا كالإجماع. وأشار بعض أصحاب الشافعي، في الاعتذار عن هذا، إلى أن هذه أمور قد تقع على جهة التساهل في هذا, ولا يكون التسهل فيه كالنص على جوازه، ألا ترى أن أصحاب أبي حنيفة يمنعون الإجارة على تعلم القرآن، وهم ينفرون أولادهم إلى المكاتب.

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٢٠٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ٢٠٣