تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والجواب عن السؤال الثالث أن يقال: قد تقدم فيما سلف ذكر المنع من شراء ثمرة قبل الزهو بشرط التبقية، وذكرنا ها هنا في هذا السؤال الذي فرغنا من جوابه الآن أن مالكا إنما يجيز بيع القصيل بشرط تأخيره إذا كان التأخير المقصود به حضور الحاجة إليه. ويمنع منه إذا كان القصد به أن تزيد أجرامه وتظهر أجسامه, لأن ذلك شراء المجهول لم يخلق بعد. وإذا منع ذلك إذا كان القصد بشرط التأخير إلى أن يتحبب, لأن هذا يمنع منه للحديث الوارد:

"بالمنع من بيع الثمر حتى يزهى وبيع الزرع حتى يبيض" (1) الحديث كما تقدم ذكره. فإن لم يشترط مشتريه تأخيره حتى يصير حبا, ولكنه تحبب قبل أن يجذه فالبيع فاسد، كما يفسد إذا اشترى ثمرة قبل الزهو على القطع، فيتركها حتى أزهت. ويكون الحكم ها هنا في تركها من غير شرط كحكمها إذا تركت بشرط في أصل العقد. فإن اشترى الرأس كله واشترط خليفته فتحبب الرأس كله، فإن البيع يبطل في جميع الصفقة كلها في الرأس وفي الخلفة, لأن الخلفة إنما جازت لكونها تبعا، فإذا بطل البيع في المتبوع، بطل في التابع. وهذا إذا تحبب الرأس بتعمد منهما وتراخ يتهمان معه على أنهما أضمرا اشتراط ذلك حين العقد. وأما إن كان ذلك بتواني المشتري وامتناعه من جز القصيل، فإنه يجري على القولين في الغلبة في الصرف. وقد ذكرنا ذلك في كتاب الصرف وذكرنا ما قيل في ذلك في هذه المسئلة أيضا هناك.

وإذا تحبب بعض الرأس، وكان العقد على الرأس خاصة دون الخلفة، فإنه يبطل البيع فيما تحبب منه خاصة، وفيما قابل ذلك من الخلفة المشترطة،

كما يبطل البيع إذا تحبب كله فيه وفي خلفته. وزعم بعض أن ظاهر الرواية عن ابن القاسم يقتضي أنه لا بد من اعتبار التقويم إذا اشترط في شراء الرأس الخلفة. وإنما سقط التقويم إذا اشترى الرأس خاصة فتحبب بعضه فإن ما تحبب إنما تسقط حصته من الثمن بالنسبة، أو مذارعة أو فدادين لا بالتقويم، إذا لم يختلف نباته.

وأما إذا تحببت الخلفة دون الرأس، فلا بد من التقويم. فذكر سحنون أن التقويم للرأس يكون يوم عقد البيع، وكذلك التقويم للخلفة، ومراده أن الخلفة تقوم وقت العقد على أسواقها أوقات جناها لكون سوق الثمرة يختلف فلا بد من اعتبار ذلك.

ولو تحبب بعض الرأس ولكنه لا يتميز عما لم يتحبب، لانتقض البيع كله، لعدم التمييز بين ما تحبب بعضه والذي لم يتحبب بعضه. وقد ذكر في المدونة في صفة التقويم مثالا، مثل أن يكون الذي تحبب ثلث القصيل أو ثلثيه أو ثلاثة أرباعه، فإنه يرجع من الثمن بقدر ذلك. وقال بعض المتأخرين: هذه إشارة منه إلى أنه لا يمكن من رد ما لم يتحبب، وإن كان يسيرا بخلاف من اشترى ثيابا فاستحق أكثرها، فإنه يرد الأقل لبطلان جل الصفقة. وكذلك إذا رد ذلك بعيب. وهكذا في الثمار إذا طرأت عليها جوائح أكثر من الثلث حتى يكون للمشتري مقال في الجائحة. فإن المشتري لا رد له، وإن أجيح أكثر الثمرة؛ لأن هذه الجائحة طرأت بعد صحة العقد، لكون المعقود عليه كله قد ملكه ملكا صحيحا، لم يكن من جهة البائع تدليس عليه ولا تفريط، فلم يكن للمشتري مقال في بطلان أكثر صفقته بأمر لا صنع للبائع فيه، ولا تهمة تتطرق إليه، بخلاف ما استحق من يده أو رده بعيب. وكذلك ما تحبب يرجع بمقداره من الثمن، لكونه إذا رد الثمن لا يأخذ عنه عوضا، ولغير ذلك لما يذكر في كتاب الجوائح إن شاء الله.

والجواب عن السؤال الرابع أن يقال: قد تلخص مما ذكرناه أن اشتراط ما

لم يخلق في العقد على ما خلق يتنوع إلى ثلاثة أنواع:

فمنه ما يتتابع وجوده، ويتميز منه كل بطن على الذي قبله (1)، كشراء ثمرة هذا النخل هذا العام بعد أن أزهي الثمر، ويشترط في العقد شراء ثمرة العام الثاني، وهذا لا يجوز من غير خلاف.

ومنه ما يتتابع في الوجود ولكنه يتميز بعضه عن بعض، مثل القصيل والقرط والقصب يشتري منه ما شوهد على صفة يجوز العقد عليها، ويشترط دخول ما لم يخلق في العقد، فهل يجوز فيه اشتراط الخلف عددا محدودا من البطون، وشراؤها إلى أن يفنى؟ ظاهر المذهب فيه على قولين: المعروف منهما جواز ذلك لأنه في حكم المعلوم بالعادة، وإنما أجيز شراء الخلفة لكونها في حكم المعلوم. وقد قدمنا ما خرج من الخلاف في ذلك.

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٢٠٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ٢٠٢