وهذا انفصال لا يقنع به. ولو صح الإجماع من سائر العلماء على فعل هذا من قوم وترك إنكاره من آخرين، لكان ذلك حجة في الجواز, لأنا لو لم نقل بذلك لكانت الأمة أجمعت على الخطإ بين ناطق به وساكت عن إنكاره.
وأما شراء القمح في سنبله وهو قائم على سوقه، فإن ذلك جائز عندنا، وعند الشافعي في أحد قوليه. ومنعه في قول آخر.
واستدل من قال بالجواز بما وقع في الحديث: "أنه نهى عن بيع القمح في سنبله قبل أن يبيض" (1). جاز (2) ذلك بعد أن يبيض، وقياسا على بيع الشعير في سنبله وهو قائم على سوقه.
ومن منع ذلك رأى أنه مبيع في كمامه التي يصح ادخاره دونها، فأشبه عنده بيع القول في كمامه.
وهذا حكم بيع القمح في سنبله وهو قائم على سوقه.
وأما بيعه بعد أن حصد، فقيل بجواز ذلك. واشترط في قول آخر أن يكون على صفة يمكن حزره ومعرفته وهو عليها.
وأما إذا حصد ودرس، فإنه لا يجوز بيعه مخلوطا بتبنه للجهالة بمقدار القمح مما خالطه. لكن إن بيع على الكيل، على أن يكتال وقد صفي، جاز ذلك إذا شاهد القمح وعرف صفته.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: ويجمع بيع الغرر ثلاثة أوصاف، أحدها: تعذر التسليم غالبا. والثاني: الجهل. والثالث: الخطر والقمار. فأما ما يرجع إلى تعذر التسليم، فكالآبق والضالة والمغصوب، والطير في الهواء، والسمك في الماء، وبيع الأجنة واستثنائها، وحبل الحبلة، وهو نتاج ما تنتج الناقة، والمضامين وهي ما في ظهور الفحول.
قال الإمام رحمه الله: يتعلق بهذا الفصل ثلاثة أسئلة منها أن يقال:
1 - ما حكم بيع الآبق والضالة؟
2 - وما حكم بيع الأجنة واستثنائها؟
3 - وما حكم بيع حبل الحبلة والمضامين والملاقيح؟
فالجواب عن السؤال الأول أن يقال: بيع الآبق لا يجوز، عند مالك والشافعي وأبي حنيفة، علم موضعه أم لا. وأجاز ذلك ابن سيرين إذا علم موضعه. وإذا لم يجز العقد عليه عند فقهاء الأمصار لا يصحح العقد المجيء بالغائب عندنا وعند الشافعي. ولا يجب تسليمه، لارتفاع الغرر لما حضر، لكون العقد الذي التسليم فرع عنه وقع فاسدا. وأمضى ذلك أبو حنيفة وأجاز التسليم، لأنه يرى أن العقود ثلاثة: عقد صحيح وهو ما لا ترقب في إبطاله، وعقد باطل وهو ما لا ترقب في صحته، وعقد فاسد وهو مما تترقب صحته، كبياعات الشروط الفاسدة كالبيع والسلف أو بيع أمة على أن يتخذها المشتري أم ولد. وقد قدمنا نحن أحد القولين عند إمضاء العقد إذا أسقط الشرط الفاسد.
وهذا رأي أبي حنيفة أن سبب منع العقد على الآبق كونه لا يمكن تسليمه. فإذا صار إلى حال لا يمكن (1) فيها تسليمه جاز تسليمه لأجل ما تقدم من العقد فيه.
وهذا لا وجه له لأن التسليم والتقابض والتمكين من المبيع إنما يلزم ويجب بمقتضى العقد، فإذا كان العقد ممنوعا محرما، كان فرعه ونتيجته كذلك.
والذي قاله فقهاء الأمصار، من منع العقد عليه وإن علم موضعه، واضح، لعدم القدرة على التسليم. وبيع ما لا يمكن تسليمه باطل, لأنه من أكل المال بالباطل. وأما ما ذهب إليه ابن سيرين، فإنه إن أراد جواز البيع إذا علم موضعه، وهو معتقل فيه على حكم مالكه، ولا خصومة فيه ولا نزاع، وقد علمت حاله بالمشاهدة أو بالصفة، فإن ذلك يجري مجرى بيع الغائب، فيجوز العقد دون شرط النقد فيه، على ما يأتي بيانه في كتاب بيع الغائب إن شاء الله تعالى. وأما لو كان بموضع معلوم وصفته معلومة، ولكن يفتقر مالكه، إلى تمكينه منه ورفع يد القاضي بعد اعتقاله له، إلى بينة أو خصام أو منازعة، فإنه منع سحنون من بيعه على هذه الصفة لأجل ما يقع فيه من مدافعة مالكه عنه حتى يثبت ما يوجب تسليمه إليه. وكان بعض أشياخي يرى تجويز العقد عليه دون النقد، بشرط أن يتمكن منه على صفة تواصفاها وعلماها عليه. وقد كنا قدمنا عنه سلوك هذه الطريقة في جواز بيع الثمر قبل بدو الصلاح بشرط أن تسلم وهي على صفة معلومة. ويحتج لهذا بأنه منع في المدونة شراء زيت زيتون بعينه إذا كان يختلف خروجه. وأجاز إذا وقف إمضاء العقد على خروجه على صفة معلومة عندهما، من غير أن يشترط النقد. وقد كنا نحن قدمنا، فيما أظن حكايته هذا عنه.