تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الخلفة، ويعسر التمييز، فلا يمكن تسليم المبيع متميزا، وإن منعنا من بيع الأصل حتى يتكامل ما يتفرع منه، أدى ذلك إلى فساد الأصل وبطلان الانتفاع به، فدعت هذه الضرورة إلى الترخيص في هذا الغرر.

وقد أشار في المدونة إلى اشتراط كون الخلفة مأمونة الغالب كونها ستوجد على وجه يرتفع معه الغرر.

واعلم أن العقد على هذا الذي لم يخلق يتنوع:

فتارة يعقد عليه بانفراده فيمنع، كشراء الخلفة بانفرادها من غير أن يتقدم تعاقد على أصولها.

وتارة يتقدم العقد على أصولها، وهذا على قسمين:

إن وقع الشراء للخلفة بانفرادها بعد أن جنيت الأصول، فإن ذلك لا يجوز.

وإن وقع العقد عليها بانفرادها، بعد أن تقدم العقد على أصولها ولم يجد ما اشتراه من أصولها، فإن المذهب على قولين: يمنع ذلك، لكون العقد عليها منفردا، والعقد المنفرد عليها خاصة ممنوع لأجل ما فيه من الغرر. أو يجوز ذلك، لكون العقد الثاني ملحق بأصله الذي تفرع منه، فجرى حكمه، وإن كان متأخرا، مجرى حكم العقد الواحد على هذه الثمرة، أصولها وما يجنى منها بعد جناها.

وهذا كالاختلاف أيضا في شراء مال العبد بعد أن وقع العقد على العبد دون ماله. وكاشتراء النخل المثمرة دون ثمرها، ثم اشترى الثمر الذي لم يزه بعد ذلك (1). فمن جعل لكل عقد حكم نفسه، منع هذا الثاني، ومن جعل العقدين ها هنا كالعقد الواحد أمضى ذلك. وقد تتجاذب الفئتان (2) المختلفتان (2) في جواز اشتراط الخلفة في العقد على أصولها، مسئلة اشتراط

النخل، فقال أصحابنا: لما جاز بيع الثمرة التي لم تطب بطياب بعضها، وكان ما لم يطلب منها تبعا لما طاب، فكذلك يجوز اشتراط الخلفة في العقد على أصولها لكونها تبعا لها أيضا. وقال الآخرون: قد علم أنه لا يجوز لمن اشترى ثمرة نخل هذا العام أن يشترط ثمرة العام الآخر، ولا يصح أن يجعل ثمرة العام الثاني كالبيع لثمرة العام الذي اشتراه. وكذلك لا يجعل الخلفة التي توجد في ثاني حال بيعا لأصولها الموجودة في حين العقد.

وينفصل أصحابنا عن هذا بأن ثمرة العام الثاني لم يتصل وجودها بوجود ثمرة العام الأول، بل تخلل بينها عام فصل بين الوجودين، فكل وجود له حكم نفسه، ولا يصح أن يجعل تبعا لغيره. بخلاف الخلفة التي يتصل وجودها بوجود أصولها من غير فصل، فصار الاتصال ها هنا معتبرا دافعا للغرر ومقتضيا للجواز، كما أجزنا إجارة الضئر وإن كان لبنها الذي ترضعه بعد عقد الإجارة غير موجود حين العقد، لكن تتابع الوجود يصير الثاني حاصلا كالأول في الحكم. فكذلك منافع الديار يجوز العقد عليها وإن كان ما يحدث من المنافع بعد العقد غير موجود حين العقد ولم يخلق بعد. وقد مر أبو حنيفة على منع بيع ما لم يخلق حتى منع من بيع ثمرة بعد الزهو بشرط التبقية إلى أن يصير ثمرا، لكون ما يخلق من الألوان والطعوم في الثمرة بعد زهوها لم يخلق بعد، وشراء ما لم يخلق لا يجوز. وأجازه الشافعي ومالك. فأما الشافعي فإنه يرى أن هذا التغير تغير أعراض لا تغير زيادة أجسام إلى أجسام، فلهذا أجازه، بخلاف اشتراط الخلفة التي هي عنده أجسام لم تخلق. ولهذا أشار مالك أيضا لما منع من شراء القصيل بشرط أن يقيم أياما ليعظم، وشراء صوف على ظهور الغنم بشرط أن يقيم أياما ليطول، فقال: هذا يمنع، بخلاف اشتراط تبقية الثمرة لتصير تمرا, لأن الثمرة إنما تحدث فيها زيادة نضج وحلاوة، فأشار أيضا إلى أن تبدل الأعراض بخلاف زيادة الأجسام. وهكذا مر أيضا أبو حنيفة على هذا الأسلوب، فمنع من شراء طعام أو غيره في الذمة، إلا بشرط أن يكون المسلم فيه موجودا في الطرفين، حين العقد وحين القبض. فأما اشتراطه وجوده حين القبض فلا

يخالف فيه. وأما اشتراطه وجوده حين عقد السلم، فنحن والشافعي نخالفه فيه، على ما بيناه في كتاب السلم من سبب الاختلاف بيننا وبينه في هذا. وهذا بيان حكم شراء ما لم يخلق وهو في الذمة أو مسند إلى معين.

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٢٠١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ٢٠١