قال القاضي أبو محمد رحمه الله:
وبيع المباطيخ (1) جائز ببدو صلاح أوله وإن لم يظهر ما بعده. وكذلك الأصول المغيبة في الأرض كالبصل والجزر والفجل. وكذلك الورد والياسمين إذا انتفع به. ويكون للمشتري لآخر (2) إبانه. وكذلك الموز إذا ضرب فيه أجل.
ولا يجوز اشتراء الكتان إذا استثنى البائع حبه، ولا القرط واستثنى برسيمه
إلى حال يبسه. ولا يجوز بيع الحنطة في سنبلها. ويجوز بيع السنبل على جهته.
ويجوز بيع الجوز والباقلا، في قشره الأعلى.
قال الإمام رحمه الله: يتعلق بهذا الفصل خمسة أسئلة منها أن يقال:
1 - ما شرط جواز ما يباع مما له خلفة؟
2 - وما حكم شراء الخلفة؟
3 - وما حكم شراء هذه الأصول؟
4 - وما يتفرع منها إذا صارت إلى حال لا يجوز اشتراطها في أصل العقد؟
5 - وما حكم شراء الثمرة المحجوبة؟
فالجواب عن السؤال الأول أن يقال: أما بيع الفواكه والقصيل والبقول وغير ذلك مما في معناه، فمن شرطه أن يباع بعد أن يظهر، ويبلغ إلى حالة ينتفع به حين أخذه، من أكل أو رعي أو ما في معنى ذلك, لأنه إذا بيع قبل ذلك، كان المبيع غير مرئي ولا موصوف، وما لم يشاهد ولا يوسف فهو مجهول. واشترطنا أن يكون بلغ إلى حد الانتفاع به لكون المعاوضة إنما تصح على ما ينتفع به، كما قدمناه في صدر هذا الكتاب، وما لا ينتفع به المعاوضة به من أكل المال بالباطل، وقد نهى الله عنه، ومن إضاعة المال، وقد نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عنه. فإذا تقرر هذا فاعلم أن الغرر ورد الشرع بالنهي عنه كما ورد بالعفو عن يسيره. قال ابن الجهم من أصحابنا: الغرر اليسير يجوز بإجماع، ولهذا لو قال له: بعني قطن جبتك، وهو مغيب لم يجز. ولو قال له: بعني جبتك بقطنها, لجاز. وكذلك لو قال له: بعني جنين أمتك، لم يجز. ولو قال له: بعني أمتك الحامل بجنينها, لجاز. وقال أبو الفرج من أصحابنا: الغرر الكثير الذي لا مرفق في إباحته، ولا حاجة إلى الترخيص فيه ممنوع، بدليل منع بيع الثمرة قبل الزهو على التبقية. وإذا أزهى بعض الثمر، بيع جميعه بزهو بعض، لكون هذا وإن كان غررا, لأن ما لم يزه من هذا الذي قد أزهى بعضه كالثمرة إذا لم تزه كلها, ولكن لما كان في إباحة بيع الثمر بزهو بعضه مرفق
وحاجة إلى الترخيص فيه، سومح بهذا الغرر. وكذلك يمنع بيع الساج المدرج في جرابه. ويجوز بيع ما في العدل المشدود على متاع على الصفة، لما في ذلك من المرفق والحاجة إليه، هذا معنى ما أشار إليه. وقد بسطناه نحن فيما تقدم. وذكرنا أن الشرب من الساقي جائز، وإن اختلف مقدار شرب الناس. وكذلك دخول الحمام، وإن اختلف مدة مقام الداخل فيه، ومقدار ما يغتسل به من الماء. وكل هذا بياعات فيها غرر، ولكنه غير مقصود، وفي حكم اليسير فعفي عنه.
والجواب عن السؤال الثاني أن يقال: إذا اشترى قصيلا على الوجه الجائز وأراد أن يدخل في العقد ما ينبت منه بعد جزه، أو اشترى قثاء أو بطيخا وأراد أن يدخل في العقد ما يخلف بعد ما جناه منه، فإن المعروف من مذهبنا جواز ذلك إذا كانت الخلفة مأمونة. ومنع من ذلك أبو حنيفة والشافعي. فحاول بعض الأشياخ أن يضيف إلى المذهب قولا بالمنع مثل ما قال أبو حنيفة والشافعي.
فقال: قد ذكر في الموازية أنه لا يجوز مساقاة قصب السكر واشتراط دخول خلفته في المساقاة، كما لا يجوز مساقاة الخلفة ولا بيعها. وحمل هذا على المنع من جواز بيعها على الإطلاق، عقد عليها وعلى الأصول التي تفرعت الخلفة عنها عقدا واحدا، أو عقد على الخلفة على انفرادها. وهذا الذي نقلناه من اختلاف الأئمة جار في كل ما جرى مجرى القصيل في البطيخ والقثاء كالورد والياسمين وشبه ذلك.
واعلم أن مدار هذا الخلاف على ما قدمناه من ورود الشرع بالمنع من بيع الغرر والترخيص في الغرر اليسير أو الكثير الذي تدعو الضرورة إليه، فاعتقد أبو حنيفة والشافعي أن اشتراء الخلفة منفردة لا يجوز لكون ذلك غررا لا إشكال فيه، وعقدا على ما لم يشاهد ولا وصف وهو مجهول. واعتقد مالك وأصحابه أن هذا غير مقصود إلى التخاطر فيه، بل في إجازته مصلحة، وإلى هذا أشار القاضي. وقد أشار القاضي أبو محمد في غير كتابه هذا، فقال: إن منعنا من اشتراط الخلفة في عقد البيع أدى ذلك إلى اختلاط المبيع مع ما لم يبع وهو