تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فاعلم أن الله سبحانه قال في كتابه ﴿إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع﴾ (1). فإن هذا البيع المنهي عنه. فاختلف المذهب، هل يفسخ أم لا؟ ثلاثة أقوال: فالمشهور وهو المذكور في المدونة أنه يفسخ. وفي المجموعة أنه لا يفسخ. وفي ثمانية أبي زيد أن عبد الملك بن الماجشون فسخه في حق من اعتاد ذلك، وتكرر منه، ولم يفسخه في حق من لم يتكرر ذلك منه.

وسبب الاختلاف في فسخه أن هذا بيع نهى الله تعالى عنه. فإن قلنا: إن النهي لا يدل على فساد المنهي عنه، لم يجب الفسخ على ظاهر ما في المجموعة وبه قال أبو حنيفة والشافعي. وكذلك إن قلنا: إن النهي يدل على الفساد إذا تعلق بالذات المنهي عنها أو بخاصية من خواصها اللازمة لها، وأما إن تعلق بأمر خارج عن هذين، فإنه لا يجب الفسخ، فإن مقتضى هذا المذهب لا يفسخ البيع المعقود بعد النداء لصلاة الجمعة، لكون هذا النهي نهيا

عن مباشرة الفعل لا يعود إلى نفس المبيع أو خاصية من خواصه وصفة لازمة له. وإن قلنا: إن النهي يدل على الفساد، قولا مطلقا، اقتضى هذا فسخ العقد.

وقد بينا هذا أيضا على اعتبار هذا النهي، هل هو لحق الله سبحانه، لئلا يشتغل عن الصلاة المفروضة فيفسخ البيع. أو هو لحق الخلق، لئلا ينفرد من لم يحضر الصلاة بالأرباح دون عامة الناس، كما نهى عن تلقي الركبان مصلحة لعامة الناس، فلا يفسخ هذا البيع، كما لا يفسخ بيع المصراة لما كان النهي عن التصرية راجعا لحق الخلق.

وأما ما وقع في الثمانية، فهو راجع إلى أن الفسخ لا يلزم، ولكنه عاقب من تكرر هذا منه بفسخ عقوده.

وإذا قلنا بالفسخ، فمذهب سحنون وابن عبدوس أنه يمضي بالثمن إذا فات المبيع. ومذهب أشهب وابن القاسم أنه يقدم فيه القيمة إذا فات المبيع.

واختلفا في الوقت الذي تعتبر فيه القيمة. فقال ابن القاسم: حين القبض، قياسا على سائر العقود الفاسدة. وقال أشهب: بل بعد فراغ الصلاة وذهاب الزمن الذي يحرم فيه العقد. وكأنه رأى أن التقويم كضرب من المعاوضة، والمعاوضات حينئذ نهي عنها. واختار ابن حبيب مذهب أشهب، واحتج أنه لا يختلف في بيع ثمرة بيعت قبل الزهو أن التقويم إنما يكون بعد أن حل بيعها.

وهذا الذي قاله لا يسلم. بل لو جد الثمرة قبل الزهو، لقومت حينئذ، وإن كانت حينئذ لا يحل بيعها على التبقية.

وإذا وضح ما قلناه في بيع الجمعة وعلة المنع، فإنه يتصور فيه صورة أخرى مشاركة لبيع الجمعة. وذلك فيمن أخر صلاة العصر حتى بقي بينه وبين الغروب ما إن اشتغل بالبيع، فاتته الصلاة، وكان إيقاعها بعد ذلك قضاء لا أداء، فإنه محرم عليه الاشتغال بالبيع عن صلاة استحقت هذا الوقت. وقد اختلف فيمن فعل هذا، فقال إسماعيل القاضي يفسخ بيعه. وهو اختيار الشيخ أبي عمران لوجود العلة المذكورة في صلاة الجمعة في هذه المسئلة. وقال ابن سحنون: لا يفسخ.

ويمكن أن يقال: لا يفسخ في هذه، ويفسخ في الجمعة، لكون الجماعة شرطا في إقامة الجمعة، فمن المصلحة منع كل ما يؤدي إلى افتراق جمعهم والإخلال بشرط لا تصح الجمعة إلا به، مع كون البيع يوم الجمعة قد يتكرر. والذي يخشى أن تفوته صلاة العصر إن اشتغل، لم يشترط عليه إيقاعها في جماعة فيفتقر إلى حماية الذريعة في أن لا يخل بالجماعة. وقد كان شيخنا رحمه الله يقول: كثير من العوام يؤخرون صلاة العصر اشتغالا بما يبيعونه في الأسواق ويبتاعونه. وهذا يقتضي منع معاملتهم حينئذ ومنع أكل ما يشترى منهم إذا قيل بالفسخ.

وأما ما يرجع فساده إلى الثمن، فإنه يفسخ إن كانت السلعة قائمة. وإن فاتت، فإن كان الفساد مجمعا عليه، أغرمت القيمة، وإن كان مختلفا فيه، فإن الواجب أيضا القيمة. وروي عن مالك أنه يمضي بالثمن وهذا مراعاة للخلاف.

وقد كنا ذكرنا نحن فيما تقدم مذهب ابن مسلمة وأنه يرى أن الفسخ بعد القبض استحسان، وإذا كان استحسانا مضى بالثمن. وبيع الجمعة، وإن رجع الفساد إلى العقد، فإنه يفوت بحوالة الأسواق. وبيع المدبر، وإن رجع إلى العقد، فإنه لا يفوت بحوالة الأسواق بل بالعتق أو الموت، وهذا لحرمة عقد الحرية التي حصلت فيه. وهكذا رأى ابن عبدوس أن بيع التفرقة بين الأم وولدها لا يفوت يحوالة السوق.

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ١٩٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ١٩٩